
علي بن راشد المطاعني
المنشآت الصحية كغيرها من المنشآت الحكومية تستحوذ على ميزانيات كبيرة تُصرف في عملية البناء والتشييد وذلك لطبيعتها التي تختلف عن باقي الإنشاءات فهي تُبنى لتقديم خدمة طبية للإنسان وهذه الخدمة تتطلب هندسة معمارية خاصة بها لتلبي الغرض من إنشائها، ومع ازدياد التكلفة المالية لمثل هذه المشروعات المهمة فإن الأمر يحتاج إلى مراجعات جذرية لطرق البناء والتشييد للمشروعات الحكومية الصحية من ناحية خاصة؛ وذلك بغرض الاستفادة من التكنولوجيا المتطورة يوماً بعد آخر في هذا الشأن، فتزايد القيمة الإنشائية للمشروعات يكلِّف الحكومة مبالغ طائلة بخاصة في البناء بالنظام الأفقي السائد لدينا.
فالمستشفيات والمؤسسات الصحية إجمالاً وعلى سبيل المثال، تكلفة بنائها عالية وفقاً لطبيعتها كما أشرنا، وهو واقع يفرض علينا التفكير في تغيير نمط البناء من الأفقي للرأسي؛ بهدف تقليل التكلفة المالية ولتعزيز الاستفادة منها بشكل أفضل ولتوفير المزيد من المساحات كمتنفسات وحدائق طبيعة وكمواقف للسيارات، وبذلك يقدِّم المبنى خدمات أفضل لمرتاديه ولتغيير الصورة النمطية السائدة حالية إذ هي أشبه بالحصون والقلاع.
بلا شك أن القطاع الصحي يحظى باهتمام كبير من الحكومة يتمثل ذلك في توفير الخدمات الصحية والعلاجية والوقائية في كل محافظات السلطنة وفي العديد من المنشآت الصحية التي بُنيت وكلّفت الكثير من الأموال بهدف توفير هذه الخدمات الحيوية والأساسية والتي لا غنى عنها ولا بديل لها كما هو معروف، إلا أن الإنفاق على الإنشاءات يلتهم جزءاً كبيراً من المخصصات المالية المرصودة للقطاع الصحي في البلاد، الأمر الذي يفرض على الوزارة والجهات المعنية بهذا الشأن أن تُعيد النظر في طبيعة المنشآت الصحية بالتقليل من التكاليف المتعلقة بالبناء عبر تغيير نمط البناء من الأفقي إلى الرأسي أو العمودي، وبذلك تقل التكاليف بمستويات كبيرة جداً.
فاليوم هناك مستشفيات تُبنى في السلطنة رُصدت لها موازنات بملايين الريالات وهي باهظة التكاليف وهو أمر يثير الاستغراب في ظل وجود خيارات بديلة أفضل وبتكلفة مالية أقل وبمساحات من الأرض أصغر والباقي يمكن الاستفادة منه كما أشرنا عاليه.
كما لا يغيب عن الأذهان أن صيانة ونظافة هذه المنشآت الأفقية الواسعة مكلِّفة جداً وعبر عطاءات سنوية بين الشركات المعنية بهكذا أمور، ونسبة تهالكها أكبر لتعرّضها للعوامل الطبيعية وللظروف المناخية أكثر من تلك المباني العمودية التي تتخذ نظام الطوابق المعروف، وهو أمر يدعو الجهات الحكومية لتغيير طبيعة الإنشاءات المدنية لديها سواء كانت صحية أو غيرها لتتواءم مع التطور التكنولوجي المتسارع ولتنسجم مع الظروف الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، إذ نجتهد جميعنا في اتجاه العمل بنحو جدي لخفض التكاليف كل في مجاله.
فالبناء العمودي وكما أشرنا يوفر مساحات من الأراضي ليُستفاد منها في أمور كثيرة في ظل تقلص المساحات وخاصة في العاصمة مسقط، وأثّر ذلك على العديد من الجوانب الإنتاجية والخدمية التي تحتاجها البلاد والعباد، فالتجارب العالمية في هذا الحقل لا تُعد ولا تُحصى، فعلى سبيل المثال مستشفى "بمر ونجراند" بتايلاند والذي يعني باللغة التايلاندية "الرعاية بالأشخاص"، يعتمد النظام الرأسي وهو عبارة عن ثلاثة مبان كل واحد منها يتكون ما بين 20 إلى 22 طابقاً وهو أكبر منشأة صحية في شرق آسيا قاطبة، ويتعالج به مليون مريض سنوياً من 190 دولة، وبه أكثر من 1200 طبيب والآلاف من الكوادر الطبية المساعدة، وبه 55 قسماً أو مركزاً متخصصاً في كل الأمراض ويحوي 580 سريراً، ويعمل بسلاسة متناهية بنظام الطوابق، ليوفر عملياً مبالغ طائلة تم اختصارها أثناء البناء، وغدا بذلك عملياً أكثر إزاء الاستفادة من خدماته.
فعلى الجهات المختصة بالبلاد وبناءً عليه، تغيير نمطية البناء الباهظة واللاعملية أصلاً في إدارة الجانب الصحي، ومن السلبيات الواضحة للبناء الأفقي لدينا هو أننا نجد المرضى أنفسهم لا يهتدون لمداخل ومخارج وأقسام المستشفيات لدينا لكبر المساحات الضائعة سدى في الردهات والأقواس التي لا تقدِّم للعملية العلاجية شيئاً يُذكر غير إرهاق المرضى والمراجعين في لهثهم الدائم في البحث عن العنابر والأقسام والعيادات والصيدليات.
بالطبع هناك تحديات أو سلبيات تواجه نمط البناء العمودي أو مآخذ في حالات الحريق أو ما شابه ذلك، إلا أنها بشكل عام أكثر عملية وسلاسة ومنخفضة التكاليف من غيرها.
نأمل من وزارة الصحة العمل بهكذا نظام في بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وخفض النفقات وتوجيهها لفائدة تطوير الخدمات العلاجية بخاصة من المستوى الثاني والثالث الذي يحتاج إلى استثمارات كبيرة ومتزايدة.