
محمد بن سيف الرحبي
يأتي القطار في موعده، وتتحرك عرباته كما تشاء المسارات، وهي ذاهبة إلى مدن وقلوب تترقب، متى سيصل القطار؟
لم يكن القطار في مفكرة أذهاننا، ولا عرفته طفولتنا إلا مجموعة صور جاءتنا عبر قصص وروايات، أدهشتنا، ألقت الأحلام في أعمارنا، وقلنا سيأتي الزمن بما تخيلناه، وسيهدينا العمر ما.. تمنيناه.
كانت أول قصة، يقال إنها تؤرخ للفن القصصي عربيا، عرّفتنا على قدرة السرد في المسافة الحائرة للكاتب المصري محمود تيمور، البطل الذي يذهب بالقطار في المسافة بين العاصمة وقريته، عرفت حينها أن القطار لا يتحدث لغة أجنبية كالتي قالتها لنا الروايات الأوروبية الكلاسيكية، حيث يسير في ضواحي فرنسا وإنجلترا، على سبيل المثال، أو يمضي في قصة أطفال مرسومة، حيث القطار يحاور الدرب والمسافرين.. والمشاعر.
كم من الحكايات تناسلت في المسافات الواصلة بين طرفي طريق المسافر، والطريق امتداد قابل للتأمل، واستدرار الأفكار من سماوات قابلة لهطول المشاعر منها، فرصة سانحة للجلوس مع الذات، مع مسافر آخر لا نعرفه، مع رفيق درب نعرفه.. وربما لا نعرفه، كما يليق بالمعنيين إذ نتمترس خلف أقنعتنا السميكة.
في كل مرة أنتظر في محطة ما أصاب بشجن غريب، حيث الوجوه تتكاثر، وفي ملامحها تناقضات حياة، وحيث الموسيقى الطرية الصاعدة مع الروح مكتوبة بحبر وداعيات وبكائيات.. وبهجة وصول، وفي حالات عدة هناك.. كدر في المحطة الأخيرة، حيث مفترق الطرق.. أو.. لا طرق.
هذه الأجساد التي تتدافع للوصول في الوقت المحدد قبل موعد تحرك القطار يلفها ذات التناقض المصابة به أجساد القطارات، وهي تمضي بين مستويات، فاخرة لمن يملك دفع قيمة التذكرة، وبائسة لمن يحاورون عمرهم للحصول على أقل الممكن من الخسائر، وقد أصيبوا بها حدّ البحث عن رغيف يسدون به الرمق، وعن تذكرة فقيرة تحملهم إلى حيث هناك من.. ينتظر، أو إلى محطة ما، لعل الحياة تنتظر بابتسامة ما.
قطار يأتي، يحمل أفواجا من البشر، آخر يقذفهم من باطنه، أقدام تحاول الوصول إلى الأبواب المفتوحة، دخولا أو خروجا، ذهابا أو عودة، من مدينة إلى تالية، من مساحة حياة إلى حيز آخر، في الأجندة ما لا يحصى من أفكار، وحيوات تتوزع وتتنوع وتتصادم، ربما لتلتقي بآخرين هناك، في مكان ما، حيث الأفلاك تمارس هوايتها وغوايتها، باحثة عن بقعة ضوء لازمة لتستمر الحياة في النور، وحيث السماوات الغائمة تنطوي على نجيمات لا بد أن ترشد حائرين، قبل أن يصل قطار العمر إلى محطته الأخيرة، وكم من قطار فعلها، كما خسر كثر رهاناتهم، ووصلوا بعد فوات الأوان، حيث القطار (راح) ولا فرصة حتى للتلويح.. بوداعية.
أكتب هذا المقال في القطار الخارج من محطته في الإسكندرية، والذاهب إلى طرفه الدرب الآخر في القاهرة، أعيش الحالة وأكتبها، وقد كنتم معي، لأني أكتب ما تقرأونه الآن، وقد وضعت نقطته الأخيرة..هنا.