مطاردة سياسية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٦/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٣٧ ص
مطاردة سياسية

سوافيمير سييراكاوسكي

يستعد قادة الاتحاد الأوروبي الآن للإعلان عن اختيارهم لرئيس المجلس الأوروبي في قمة هذا الشهر. وحتى وقت قريب للغاية، بدت إعادة انتخاب الرئيـــس الحـــالي، رئيـــس الــوزراء البولندي الســـابق دونالد تاســـك، أمرا مؤكدا، فقد جرب الرئيس الفرنســـي المنتهية ولايته فرانســـوا هولاند، والمستشار النمســــاوي الاسبق فيرنر فايمــان، ووزير الخارجية الألمانية ســـيجمار جابرييل حظوظهم، ولكن اســــتطلاعات الرأي الأوليــــة أثبتت أن فرصـــهم جميعا ضئيلة للغاية.

ولكن في السابع والعشرين من فبراير ذكرت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير لها أن الحكومة البولندية تستطلع إمكانية تقديم مرشح بديل، وهو جاسيك ساريوزولسكي عضو حزب المنبر المدني، الحزب الذي أسسه تاسك. وساريوزولسكي عضو في البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الأوروبي، والذي شـــغل منصــــب نائب الرئيــــس حتى نوفمبر 2016.
بعد أقل من أسبوع، في الرابع من مارس، تأكد تقرير الفايننشال تايمز. فقد أصدرت قيادة حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا تعليماتها إلى حكومة رئيس الوزراء بياتا زيدلو بحجب دعمها لإعادة انتخاب تاسك.
وفي اليوم نفسه، أصدرت وزارة الخارجية مذكرة دبلوماسية اقترحت ساريوزولسكي. وبعد نصف ساعة، أَكَّد ساريوزولسكي ذلك على موقع تويتر. وعلى الفور، طُرِد من حزب المنبر المدني، وأعاد رئيس حزب الشعب الأوروبي جوزيف داول التأكيد على دعم حزبه الكامل لتاسك.
ومع دعم كل أعضاء الاتحاد الأوروبي باستثناء بولندا لتاسك، فإن حرمانه من ولاية ثانية سوف يتطلب مبررا غير عادي. ولم يقدم حزب القانون والعدالة أي مبرر، بل إنه فشل حتى الآن في صياغة أي موقف واضـــح بشـــأن ترشح تاســــك. لماذا إذن أصبح حجب ترشحه أولوية عالية على هذا النحو المفاجئ؟
كل ما لدينا هو تصريح علني من قِبَل رئيس حزب القانون والعدالة ياروسلاف كاتشينسكي الذي قال: «إن دونالد تاسك ينتهك المبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي». ودون أن يقدم أي دليل على الإطلاق، اتهم تاسك بخرق «مبدأ الحياد من خلال دعمه الصريح للمعارضة، التي تعتبر نفسها مطلقة وتسعى إلى إسقاط الحكومة بوسائل غير برلمانية».
الواقع أن كاتشنسكي يزعم ما هو أسوأ من ذلك كثيرا. فهو يعتقد أن تاسك تآمر مع الرئيس الروســي فلاديمير بوتن لقصف الطائرة الرئاســــية البولندية في أبريل 2010 والتي كانت تحمل وفدا من كبار الشــخصيات إلى سمولينسك للمشاركة في إحياء ذكرى مذبحة كاتين (إعدام أكثر من عشرين ألف ضابط وشرطي وعميل ومثقف بأوامر من ستالين في العام 1940).
بيد أن ما يراه كاتشينسكي «انقلابا» تراه بقية العالَم (بما في ذلك كل المؤسسات المهنية البولندية والدولية التي تحقق في كوارث الطيران) حادثا مأساويا أودى بحياة توأم كاتشينسكي، الذي كان آنذاك الرئيس ليخ كاتشينـــسكي، فضلا عن 95 من كبار المسؤولين الحكوميين. وكان تاسك، الذي هزم حزب القانون والعدالة في ثمانية انتخابات متعاقبة على مدار حياته المهنية، رئيسا للوزراء في ذلك الوقت.
قبل تحرك الحكومة الأخير، كانت مجموعة فيسيجراد بأكملها (جمهورية التشيك، والمجر، وبولندا، وسلوفاكيا) تدعم تاسك رســـميا، وكان قادتها يتفاعلون بحَرَج مع الجهود التي يبذلها كاتشينسكي للحلول محله.
وقال كاريل شوارزينبيرج، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التشيكي، لصحيفة جازيتا فيبورتشا إن تاسك كان «زعيما جيدا للغاية».
كما عبر نظيره السلوفاكي فرانتيسك سيبيج عن ذلك صراحة: «لا أفهم الاعتراضات على تاسك. وأنا راض عنه». وحتى رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي سعى معه كاتشينسكي إلى تنظيم ثورة مضادة غير ليبرالية داخل الاتحاد الأوروبي، لا يخفي دعمه لتاسك.
الواقع أن ساريوزولسكي ليس شخصا مجهولا. فهو خبير في التكامل الأوروبي منذ سبعينيات القرن العشرين، كما خدم في العديد من المناصب الحكومية وكان عضوا في البرلمان الأوروبي (محافظــا للــغاية) منذ العـــام 2004. ولم يشــغل قــط منصب رئيس الوزراء، أو الرئيس، أو حتى منصب المفوض الأوروبي.
ومع مثل هذه المسوغات، يتوقع المرء أن يتولى ساريوزولسكي رئاسة لجنة البرلمان الأوروبي (كما فعل في العام 2007)، أو يشغل منصب نائب رئيس التجمع البرلماني (كما فعل لنصف مدة في الفترة من 2004 إلى 2007). ولكن لا أحد قد يراه مناسبا لمنصب رئيس المجلس الأوروبي بل وربما يكون المرشح المحتمل الأقل حظا على الإطلاق.
الواقع أن ساريوزولسكي -الذي قال في مقابلة في العام 2008، على نحو لا يخلو من مفارقة عجيبة: «ألاحظ في رعب كيف قد يعمل البولنديون في مؤسسات الاتحاد الأوروبي على إلحاق الضرر بمواطنيهم البولنديين بدلا من تحقيق مصالحهم»- لا يحظى بأي فرصة.
وهو ليس أكثر من «أحمق مفيد» لكاتشينسكي في محاولة تسجيل نصر سياسي على الرجل الذي يمثل التهديد الأعظم الذي يواجه حزب القانون والعدالة.
وأقصى ما قد يأمل ساريوزولسكي في تحققه واقعيا هو الحصول على منصب حكومي في بولندا. وربما يحل محل وزير الخارجية المنتقـــد على نطاق واســـــع فيتولد فاستسيكوفسكي.
ومن جانبه، أقصى آمال حــزب القانون والعدالة هو أن يقترح ائتلاف من الدول (على ســبيل المثال، تلك التي تحكمها أحزاب ديمقراطية اجتماعية) بديلا آخر لتاسك، ينتخبه أعضاء الاتحاد الأوروبي من أجل تجنب تصعيد الصراع مع بولندا.
وفي هذه الحالة، قد يعود تاسك في الأرجح إلى السياسة المحلية، حيث يشكل انتصار تاسع ضد حزب القانون والعدالة عقابا يستحقه كاتشينسكي. وربما لا يتمكن من إنقاذ بولندا من حماقة أكثر الوطنيين حماسا غير بولندي مثلهم.
الواقع أن حزب القانون والعدالة، وهو الحزب الذي يدعي أنه يضع التضامن الوطني فوق كل اعتبار -حتى الدستور- تسبب في إيجاد وضع حيث تقف بولندا ضد بولندي.
كما تسبب في إحداث اضطرابات غير لائقة في وقت حيث بات لزاما على الاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع خسارة المملكة المتحدة وتدهور التحالف عبر الأطلسي.
بدلا من التركيز على أفضل طريقة لوضع نفسها في هذا المشهد المتغير العصيب، تهدر بولندا -والعالم- طاقاتها في الانشغال بســـياسي واحد يعاني من هوس ضلالي. ينبغي لأوروبا أن ترفض بقوة أوهام كاتشينسكي المجنونة باتخاذ القرار بالعودة إلى دعم ترشــح تاســـك لمنصب رئيــس المجلس الأوروبي.

مؤسِّس حركة نقد السياسية ومدير معهد الدراسات

المتقدمة في وارسو