
محمد بن سيف الرحبي
لكثرة ما كتبت عن الشباب حسبت نفسي مبالغاً في تقدير أدوارهم فيما يخالفني البعض، وأغلبهم ممن لا يريدون التنازل عن مكتسباتهم، بحجة أنه جيل لم يتعلم تحمل المسؤولية ولا علاقة له بقيم العمل واحترام الآخرين إلا من رحم ربي، في مرحلة لم تعد السبلة هي معلمة الأخلاق ومكملة دور الأسرة، ولا المدرسة قادرة على استيعاب جموح عقول لا تريد الرضوخ تحت وطأة التقليدية حيث الكتاب المدرسي ودرجات الاختبار، والأكبر.. الأب أو المعلم.. هما الممسكان بمقاليد المعرفة وتقاليد التربية، وواقعيته تقول إنه متمكن لكنه لا يحب الوصاية، من جيل سبقه واعتاد على الوصايات تنهال عليه من كل حدب وصوب، فكل من هم أكبر منه سناً يفوقونه عقلاً وتربية وفي كل شيء له علاقة بالعلم والقيم.. هذا الجيل يريد نقل ميراثه في نقل التربية إلى جيل يتعلم على يدي التقنية.. معرفته تأتي من عوالم افتراضية، صديقه ليس ابن الجيران بما يسهل تقييم الصحبة بل من قارة بعيدة، ربما يختلف عنه دينا ولغة وثقافة.. وأخلاقاً.
تنهال الاتهامات على الشباب، ولا أظن أن سبب الرؤية القاصرة تجاهه سببها جهله وغياب المعرفة عنه، بل لأن لغة التواصل معه بقيت في حيزها التقليدي بينما يعيش هو في عوالم أخرى، واقعية أو افتراضية، وهو ابن عصر مختلف تماماً عن جيل عاش قبله مرحلة ما قبل الإنترنت.. وهذا تغير خطير في معطيات صناعة جيل اليوم.
أعود إلى المقدمة.. كنت أحسب نفسي مبالغاً لكني وجدت منتدى دولياً في الشارقة لا حديث له إلا الشباب وتمكينهم كونهم الأعرف بلغة جيلهم، وأن سابقيهم لهم دور الإعداد والتأهيل ليتمكن طفل اليوم من قراءة مستقبله كما ينبغي.. والشاب لديه من الخيارات ما تجعله مؤهلاً لتحمل مسؤولية بناء مجتمعه.
وجدت أغلب المتحدثين يشددون على دور الشباب لأن لغة التواصل مع الحكومات اختلفت.. المدير التقليدي عليه أن يغادر إلى بيته إذا لم يستطع استيعاب اللغة الجديدة في العلاقة بين الفرد والحكومة.. وكيف العمل على مفردة التغيير في إطار شراكة متكاملة لا تخضع للرسائل القادمة من السلطة تجاه أفراد المجتمع فقط.. بل تستمع للجميع عبر منصات لا تتخذ من المكاتب فضاءها وأكوام الأوراق والملفات ملامحها.. بل من حضور عابر للهواتف الذكية في جيب كل مواطن.. إذا لم تعجبه اللغة المرسلة إليه أو جواب سؤاله فإنه سيبحث عن لغة خاصة.. غالباً لا ترغب فيها الحكومات.. ولا تناسب استقرار المجتمعات.
الحديث عن أدوار الشباب لم يعد ترفاً، ولا تنفيساً صحفياً يمارسه الكتاب بينما يصم البعض آذانهم عن سماع هذه الأصوات..
غرسنا الطيب للمستقبل يبدأ من الحضانات حيث تُفقد الأم وتحضر عاملة المنزل.. وفي المدارس.. العامة والخاصة.. حيث تحضر لغة الأمس في التدريس.. وفي فهم جيل مختلف بأدوات تقليدية.. ويستمر بغياب الكثير مما يحتاجه جيل اليوم من مقومات الحياة المدنية المعاصرة.. فتغيب البرامج والرؤى.. ومعها الأهداف والطموحات.
جيل بهذه الخطورة ألا يستحق عملاً أفضل مما نقدمه له؟!
أتصور أن وجود وزارة للشباب يتولاها شاب أحد الضرورات المقبلة.. من مهامها كل ما يتعلق بهذا الجيل من مشاريع وخطط واستراتيجيات، وما يستحقونه من اهتمام بمواهبهم وابتكاراتهم.. جهة تفتح أمامهم الأبواب للمضي قدماً في طريق النجاح والإبداع.. والاستقرار.
لا تهملوا هذه الدعوة.. بل فكروا فيها قبل أن نبكي على اللبن المسكوب.. بعد فوات الأوان.