تركيا بين ثقافتين

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٥/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٣٠ ص
تركيا بين ثقافتين

أندرو واشتل

سلسلة الهجمات الإرهابية التي ضربت تركيا خلال العام الفائت ستُدخل البلاد -التي كان ينظر إليها على أنها نموذج علماني ديمقراطي في الشرق الأوسط- في دوامة الموت في نفس اللحظة التي يستعد فيها شعبها للتصويت على الدستور الجديد الشهر المقبل. وأخذت السياحة -التي كانت تشكل أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي في تركيا- تنخفض، والاستثمار الأجنبي المباشر يتباطأ بشكل ملحوظ. هذه النتائج ستعزز بعضها البعض، وسوف ينتج عنها حلقة مفرغة سيكون من الصعب إيقافها.

وتتهم وسائل الإعلام الحكومية التركية وشرائح كبيرة من السكان اليد الشائنة للغرب في تفكك البلاد. كثيرا ما يلوم المراقبون تركيا على عدم قدرتها على التوفيق بين تقاليدها الدينية والميولات الحداثية الغربية، فضلا عن الأحداث الخارجية، مثل الصراع في سوريا. لكن ساهمت قرارات الرئيس التركي رجب طيب أردوجان أيضا في إضعاف تركيا أمام الإرهاب.

أول قرار خاطئ اتخذه أردوجان، بدافع من رغبته في انهيار نظام الرئيس السوري بشار الأسد، كان السماح للمقاتلين، بما في ذلك مجندي داعش، بعبور حدود جنوب تركيا إلى سوريا بحرية نسبيا. لكنه فشل في تنبؤ الخطر الذي يشكله هؤلاء المقاتلين على أمن تركيا نفسها، خاصة مع انضمام الكثيرين منهم للجماعات الدينية المعادية لتركيا ولنظام للأسد.
يتمثل القرار المصيري الثاني لأردوجان في إعادة إعلان الحرب الأهلية مرة أخرى على السكان الأكراد في تركيا. في السنوات الأولى من رئاسته، تواصل أردوجان مع الأكراد ونجح في وقف الأعمال العدائية الفعلية.
لكن في يونيو 2015، خسر حزب العدالة والتنمية التابع لأردوجان (AKP) أغلبيته البرلمانية، مما دفع الرئيس إلى استئناف الأعمال المفتوحة مع متمردي حزب العمال الكردستاني (PKK). وسمحت مناورة أردوجان لحزب العدالة والتنمية باستعادة الأغلبية البرلمانية في انتخابات مبكرة في نوفمبر، لكن على حساب إعادة فتح صندوق باندورا الحرب الأهلية.
ورغم هذين القرارين، ربما كان بإمكان قوات الأمن التركية مواصلة حماية البلاد من المتطرفين والإرهابيين. لكن قرارا ثالثا استبعد ذلك: اختار أردوجان الانفصال عن فتح الله جولن، الذي كان أتباعه -ما يسمى بحركة حيزميت- لسنوات عديدة من بين حلفاء أردوجان المهمين.على مدار ما يقرب من ست سنوات، ساعد الجولنيون أردوجان للإطاحة بكوادر الجيش والشرطة (من بين العديد من موظفي القطاع العام الآخرين) الذين كانوا مخلصين للمثل العلمانية والقومية التركية، بدلا من وفائهم لإسلاميته اللينة. لكن في العام 2013، عندما شك رجب طيب أردوجان أن الجولنيين يتآمرون ضده، بدأ ينقلب ضدهم.
ودفعت محاولة الانقلاب القصيرة الأمد في يوليو الفائت أردوجان إلى عملية تطهير واسعة النطاق في أوساط الجيش والأمن. وبما أنه من المنطقي أن تحاكم الحكومة أولئك الذين حاولوا إسقاطها، فقد أخذ أردوجان الأمور إلى حد أبعد بكثير، من خلال تعقب أي شخص لديه أدنى علاقة محتملة مع جولن. وبهذا النهج، فقد تم إضعاف قدرة الشرطة والجيش التركيين بشدة.
وكان ذلك آخر شيء تحتاجه تركيا، حيث اشتدت تهديدات الجماعات الدينية والكردية. وربما كان ينبغي تذكير أردوجان بإزالة جوزيف ستالين لضباط في الجيش الأحمر في أواخر العام 1930، الأمر الذي ترك الاتحاد السوفييتي أعزل تقريبا، وفتح الطريق لأدولف هتلر لمهاجمته عام 1941.
وأضحت تركيا الآن بالكامل تحت السيطرة السياسية لفرد واحد وغير قادرة على التعامل مع الأزمات المتعددة التي تواجهها. حتى في أفضل الأحوال، ستعاني تركيا من وهن شديد، حيث لم تعد قادرة على الحفاظ على الدور القيادي الإقليمي الذي لعبته لمدة قرن تقريبا. وفي أسوأ الحالات، سوف ينهار الاقتصاد التركي، مع إرسال أعداد كبيرة من اللاجئين -بما في ذلك السوريين وغيرهم الموجودين حاليا في تركيا، وكذلك الأتراك أنفسهم- إلى أوروبا الغربية.
لا يشعر الجميع بالأسى بسبب سوء حظ تركيا. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعيد جدا بهذا التحول. بالنسبة لبوتين، البلدان الأكثر خطورة هي الديمقراطيات الناجحة المتحالفة مع الغرب. لقد اعتادت تركيا أن تكون على وجه التحديد بلدا ديمقراطيا مزدهرا بشكل معقول وعضوا منذ فترة طويلة في منظمة حلف شمال الأطلسي، ويعمل بسرعة على تعميق علاقاته مع الغرب.
الآن، أصبحت تركيا تتميز بالحكم الفردي وباقتصاد ضعيف، وتعاني من الإرهاب وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، وأقل من ذلك بكثير فهي غير قادرة لمساعدة سلطة مشروع حلف شمال الأطلسي. وبالنسبة لبوتين هذا حلم قد تحقق. (وهذا أيضا نبأ سار بالنسبة لحليف روسيا، أي إيران، التي لا يمكنها إلا الترحيب بزعزعة منافسها في المنطقة). وإذا ولدت دوامة الإرهاب في تركيا موجة جديدة من اللاجئين النازحين نحو أوروبا، فإن ذلك سيزيد من زعزعة الاستقرار في الاتحاد الأوروبي، وذلك أفضل بالنسبة للدولتين.
هذا لا يعني أن بوتين قد خطط لسقوط تركيا. لم يكن عليه فعل ذلك. وقع قادة مثل أردوجان بسهولة في فخ الدكتاتورية الحديثة لبوتين، التي تعتمد على التضليل ومظاهر الديمقراطية لتعزيز شخصية الحاكم. وكل ما ينبغي أن يقوم به بوتين هو الإلهام، وربما إسداء بعض النصائح من وقت لآخر.
خارج تركيا، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد معجبا بنفس القدر بالرئيس بوتين. وسنرى ما إذا كانت الولايات المتحدة محمية بشكل أفضل من تركيا ضد تأثير نموذج بوتين الخبيث باعتبار قوة أمريكا الاقتصادية وعزلتها الجغرافية النسبية، ومؤسساتها القوية.

رئيس الجامعة الأمريكية في آسيا الوسطى