القناعة.. الزائفة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٥/مارس/٢٠١٧ ٠٤:١٠ ص

محمد بن سيف الرحبي
alrahby@gmail.com
www.facebook.com/msrahby
malrahby

منــذ صـــغرنا تعلمنـا أن «القــنـاعـــة كنـــز لا يفنى»..

كررها الكبار علينا، ورسمها الخطاطون على اللوحات بجماليات حاولت أن ترسخ فينا هذه الجملة، باعتبارها الكنز الذي علينا الارتكان إليه والارتكاز عليه، والنظر فيه كلما وجدنا إلى ذلك متسعا من الوقت.. والعمر.

أن تقنع فذلك يعني أنك قابض على كنز لا يفنى، مهما قصدته.
وحاولنا أن نحتفظ بكنزنا ذاك، ونتهم من يريد المزيد أنه «غير قانع»، ولم نحسب حسابا أن «بعض» القناعة تقتل الطموح، ومع تكرار الجملة تصاب جينات التحدي بالضمور، وتذبل بالتدريج حتى نشعر بأن تحسين جوانب حياتنا سيكون عكس ما تأمرنا به القناعة.
تبدو كأنها المعادل للطموح: من يقنع ليس طمـوحا، والطامـح شخص غير قانع! مع أن هناك ما يفترض فصله، إذ القناعة مضـــرة في مسارات معيــنة فـي حــياتنا، مثاله إذا اجتهد الفقير لينال غنى، أو الجاهل ليطلب معرفة، فهذا لا ينبغي مقاومة «طمــوحــه»، واتهــام طالبيــه بأنهم لا «يقنعون».
حاولت البحث عن المفاهيم التي يربطها الناس بهذه المفردة، حيث يراها «بعضهم» ســببا للســعادة، فمن يســتقر قانعا بما بين يديه، راضيا، فلا شــك أنه «ســعيد» إذ لا يســاوره قلق «الطامحين» أو «الطامعين» كما يصــورهم أناس لا يريدون رؤيتهم خارج إطارهم، وهــناك من رأى أن القناعة زينة للفقير، حيث الغني زينته الكرم، مبررين أن «من لا يقنع بالقليل فلن يقنع أبدا»، وهي معادل للحـــرية كـــما يصفها أبو العتاهية:
أَطَعْـتُ مَطَـامِعِي فَـاسْتَعْبَدَتْنِي وَلَـو أَنِّي قَنِعْـتُ لَكُنْـتُ حُرَّا

وربطها شاعر آخر اسمه سابق البربري بالرزق والمعيشة:

النَّفْسُ تَكْلَفُ بِالدُّنْيَا وَقَـدْ عَلِمَـتْ أَنَّ السَّلامَةَ مِنْهَا تَـرْكُ مَا فِيهَـا
وَاللهِ مَـا قَنِعَتْ نَفْـسٌ بِمَا رُزِقَتْ مِنَ الْمَعِيشَةِ إِلا سَـوْفَ يَكْفِيهَـا
هل في الأمر كسر للطموح أم أنه حث على عدم النظر إلى من هم فوقنا ثراء لنرتاح من «جشعنا» في طلب المزيد من المال، هذا اللازم لحياة أفضل، في عصرنا الراهن، حيث ماديته حاضرة بقوة في مشهدنا الحياتي اليومي، كأنما حقا اخترع الأغنياء هذه المفردة لإقناع الفقراء بالبقاء مكانهم، والتسلي بها حتى لا تغلبهم نوازعهم فيزاحموهم على الأموال.
بالنسبة لي، القناعة تعني الموت، إذ الطموح هو الحياة، أو كما عبّر أحمد الشقيري عنه بأنه: «البحث عن المفقود مع حمد الله على الموجود».
من المهم الفصل بين القناعة المرغوبة، والتي حثت عليها القيم الدينية والأخلاقية، وبين تلك الزائفة التي تعني البقاء داخل دائرة من الضعف، المادي والمعرفي بما يمثلانه جناحي الحياة، للقول إنها «قناعة» بالقليل بغية تحقيق الرضا والسعادة، بينما جدير بالإنسان أن يضرب في الأرض باحثا عن الرزق والمعرفة، إن حصل على قليل حمد الله عليه، لكن هناك كثير ليس من الحكمة ترك بذل الجهد للسير إليه، فالفقير من رضي بفقر في طموحه وأحقيته أن يبدل الفقر بالغنى، قدر ما يستطيع، وقد يعيش المرء غنيا، حينما لا تبدو المفردة تعني المال وحده، يقول أبو فراس الحمداني:
إِنَّ الْغَـنِـيَّ هُـوَ الْغَنِـيُّ بِنَفْسِـهِ وَلَـوْ أَنَّهُ عَارِي الْمَنَاكِبِ حَافِ
مَا كُـلُّ مَا فَـوْقَ الْبَسِيطَـةِ كَافِيًا وَإِذَا قَنِعْتَ فَبَعْـضُ شَيءٍ كَافِ