د. فيصل القاسم
كم أشعر برغبة شديدة للضحك المجلجل، أو أن أصرخ ساخراً من عبيد المال والرزق الذين لا هم لهم في هذه الدنيا سوى تكديس المزيد من النقود والممتلكات، كما لو أنها ستعيلهم بعد الموت. فهذا العجوز أو ذاك المريض يقاتلك ويقاضيك ويحول حياتك إلى جحيم من أجل دراهم، مع العلم أنه يمتلك الملايين منها، وليس لديه حتى تَلَد يستفيد منها بعد مماته، مع ذلك نجده يعض عليها بالنواجذ، وهو يعلم أن شهوراً أو ربما أياماً فقط تفصله عن الموت المحتم.
أعرف شخصاً ثرياً بلا ذرية يعاني من عشرين مرضاً أو ربما أكثر، وبعضها خطير جداً، وبالكاد يستطيع أن يمشي بسبب الجروح المتقيحة في رجليه بسبب مرض السكر. لكن صاحبنا لا هم له سوى ملاحقة سكان البناية التي يملكها ويقطن فيها، وتنغيص حياتهم من أجل الحصول منهم على بعض الدريهمات بطرق ملتوية، فمرة يتهم جاره بأنه وضع مدخنة قريبة من نافذته، ومرة يتهم آخر بفتح ثغرة صغيرة في الجدار للتهوية. وما إن يعرض عليه المشتكى عليهم بعض النقود، حتى يتوقف عن الشكوى فوراً. وما إن يتوقفوا عن سد "بوزه" بالفلوس حتى تثور ثائرته، فيتوجه إلى السلطات على عكازيه بطريقة هستيرية هزلية كي يشتكي لتحصيل بعض القروش. كنت أود أن أعبر عن حالة صاحبنا المَرَضية بشكل أكثر كوميدية، لكن لا بأس، فإن الأديب الفرنسي الشهير موليير سخر من هذا الصنف المضحك من البشر بشكل رائع في مسرحية "البخيل".
آه كم فسدت حياتنا في عصر الثروة والتحصيل المادي العظيم! آه كم كان الإنسان أكثر قناعة وسعادة واستمتاعاً بملذات الحياة في عصور البساطة والفقر الغابرة!. فرغم قلة الموارد في الماضي، فإن الإنسان كان يستمتع بها بشكل رائع. فكان يتلذذ بطعم الزيتون والزعتر والخبز والخضار والفاكهة أيما استمتاع. أما الآن فنجد أن الإنسان يأكل كواجب يومي إجباري أكثر منه للاستمتاع بما حباه الله من أرزاق وما لذ وطاب من الطعام والشراب. فغالباً ما تجد الناس، وخاصة الأثرياء منهم يبلعون طعامهم بشكل أوتوماتيكي دون مضغ جيد، كما لو أن الأكل عملية التهام فوري للطعام، ولتتولَّ المعدة مهمة إدارة الهضم والاستفادة من الغذاء.
قلما تجد أناساً يتلذذون بالأكل والشرب هذه الأيام، على كثرته وتنوعه الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً، فالكل في عجلة من أمره، فتجد مثلاً رجل أعمال غارقاً في الثراء حتى أذنيه، يبتلع وقت الغداء سندويشة هزيلة بلا وعي، كما تبتلع الأفعى فريستها، وهو يفكر بالصفقة القادمة أو المرابح المرجوة. صحيح أننا "نأكل لنعيش، ولا نعيش لنأكل"، لكن الله عز وجل نصحنا بأن نأكل "من طيبات ما رزقناكم"، أو بالأحرى الاستمتاع بالطيبات، لكن، للأسف غدونا عبيداً للمال الذي نستقتل كي نجمعه ثم نموت تاركينه وراءنا.
كم أتلهف لأعرف كيف يفكر الأثرياء من جنس بني آدم! ما هي نظرتهم للرزق وللحياة والموت؟ ألا يشعرون بغصة مخيفة عندما يتذكرون أن كل ما جمعوه وكدسوه من ممتلكات ستؤول إلى غيرهم بعد سنوات قلائل؟ هل يدركون أن ما يملكونه هو ما يصرفونه فقط، وأن ما لا يصرفونه سينتهي في أيدي غيرهم؟ هل يعلمون أن أولادهم قد يبددون كل ما ورثوه في سويعات على أسخف الأمور وأحقرها؟ هل فكروا أن كل ذلك الركض وراء المال نهايته عبثية، وأن كل شيء ينتهي في لحظة؟.
كم أضحكني أحد الإقطاعيين المسنين ذات مرة وهو يدلني على ألوف الدونمات التي يمتلكها من الأراضي،: "فهذه الهكتارات المترامية الأطراف لي، وتلك أيضاً"، راح الإقطاعي يحدثني متباهياً عن أملاكه الشاسعة. لكني ما لبثت أن سألته بنوع من السخرية: ألا تعتقد أن تلك الفدادين الهائلة من الأراضي ليست ملكك، بل مؤجرة لك إلى حين، أو تكون في عهدتك لفترة محددة لا أكثر ولا أقل، ثم تنتقل ملكيتها إلى شخص آخر بعد سنوات معدودة، وهكذا دواليك، فالملك لله وحده؟ فصمت الإقطاعي قليلاً، وبدت على وجهه علامات الغضب، كما لو أنني شككت في أحقية امتلاكه لتلك الأراضي، أو نافسته على ملكه الوفير. لكنه سرعان ما اعترف مجبراً أن الأرض باقية وهو فان قريباً. ربما تذكر حينها بيت أبي العلاء المعري الشهير: "خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ".
عجيب أمر هذا الإنسان الذي يفتح عشرات الحسابات البنكية، ويبني القصور والفلل والأبراج الشاهقة وناطحات السحاب، ويقيم المشاريع الهائلة، ويشتري مئات العقارات والمزارع وحتى الجزر هنا وهناك، لكنه لا يجد الوقت كي يستمتع بها، فيمضي لياليه في سرير طوله متران وعرضه متر في حجرة كالزنزانة. فالإنسان مهما امتلك من قصور وأراض شاسعة وعقارات لن يكون بمقدوره سوى النوم على مساحة مترين. وقد لا يجد من بين تلك المساحات مكاناً ليحتضن جثته فيما لو انفجرت به الطائرة أو مات في البحر. ولن يملأ أكثر مما تقدر عليه معدته، ولو كان يتحكم بتجارة القمح في العالم.
وقد يموت جائعاً لو أصيب بأمراض لا تمكنه من تناول أي نوع من الطعام، ويصبح ممنوعاً عن السكر والملح والدسم والأرز والفول وسواه.
مذيع في قناة الجزيرة