دموع الشركات في أمريكا

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٩/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٠٠ ص
دموع الشركات في أمريكا

ستيفن روتش

إن خفض ضرائب الشركات قادم لا محالة في الولايات المتحدة. وفي حين يرجع تاريخ المساعي في هذا السياق إلى ما قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر الفائت، فإن شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب حَسَم الأمر. ووفقا لهذه الحجة، تخضع الشركات الأمريكية المحاصَرة لضغوط شديدة ناجمة عن الضرائب التصاعدية والقيود التنظيمية المرهِقة -التي تخنق أرباح الشركات وتفرض الضغوط بلا هوادة على الإنفاق الرأسمالي، وإيجاد فرص العمل، والإنتاجية، في حين تعمل على إضعاف قدرة أمريكا التنافسية. ومن الواضح أن الوقت حان لإعطاء الشركات بعض الراحة.

لكن هذه الحجة تثير سؤالا واضحا: إذا كانت المشكلة بهذه البساطة، فلماذا لم يجرب أحد هذا الإصلاح من قَبل؟ الواقع أن الإجابة مذهلة.

فبادئ ذي بدء، من قبيل المبالغة حقا أن نتحسر على مكاسب الشركات في الولايات المتحدة. إذ تشير إحصاءات وزارة التجارة إلى أن أرباح الشركات بعد الضريبة (من الناحية الفنية، الأرباح بعد خصم الضريبة من الإنتاج الحالي، معدلا تبعا للمخزون وتشوهات حسابات الإهلاك) بلغت 9.7 % من الدخل الوطني في الربع الثالث من العام 2016.
ورغم أن النسبة انخفضت من الذروة التي بلغتها في العام 2012 (11 %) -نظرا للنمو الاقتصادي الفاتر، والذي يفرض عادة الضغوط على هوامش الربح- فإن هذا لا يدل على مشكلة أرباح مزمنة. وتتجاوز حصة الأرباح بعد الضريبة في الناتج المحلي الإجمالي حاليا متوسط ما بعد العام 1980 الذي كان 7.6 %.
كما تدعم اتجاهات ضرائب الشركات، التي بلغت 3.5 % فقط من الدخل الوطني في الربع الثالث من العام 2016، رأيا مماثلا. صحيح أن الأرقام أعلى من مستوى ما بعد العام 2000 الذي بلغ 3 % (والذي يمثل أقل متوسط عبء ضريبي في خمسة عشر عاما للشركات الأمريكية منذ المستوى 2.9 % في منتصف التسعينيات)، ولكنه أقل كثيرا من متوسط الحصة الذي بلغ 5.2 % خلال سنوات الازدهار في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، من العام 1950 إلى العام 1969. بعبارة أخرى، في حين قد تكون أسباب انتقاد بنية وتعقيدات الأعباء الضريبية على الشركات في الولايات المتحدة متوفرة، فلا يوجد سبب يُذكَر يجعلنا نقترح أن الضرائب على الشركات مفرطة في المجمل.
على العكس من ذلك، كانت حصة الدخل الوطني التي تذهب للعمل في انحدار. ففي الربع الثالث من العام 2016، كانت تعويضات العمال -الأجور، والرواتب، والمزايا الإضافية، وغير ذلك مما يسمى المكملات مثل الضمان الاجتماعي، ومساهمات التقاعد، والفوائد الطبية- نحو 62.6 % من الدخل الوطني. وفي حين تمثل هذه النسبة بعض التعافي من المستوى الأدنى الذي بلغ 61.2 % في الفترة 2012-2014، فإنه أقل بنحو نقطتين مئويتين من متوسط ما بعد العام 1980 الذي بلغ 64.6 %. بعبارة أخرى، تحول مؤشر العوائد الاقتصادية بشكل حاسم بعيدا عن العمل وباتجاه أصحاب رؤوس الأموال وهي ليست حجة مقنعة على الإطلاق لصالح إغاثة الشركات الأمريكية التي يُدَّعى أنها تتحمل ضغوطا شديدة.
ولكن ماذا عن الضعف الذي يبدو مزمنا في الإنفاق الرأسمالي وإيجاد فرص العمل، والذي كان من المعتقد على نطاق واسع أنه من المظاهر الإضافية للشركات الأمريكية المثقلة بالأعباء؟ صحيح أن مؤشرات الاستثمار في الأعمال ونمو القوى العاملة كانت من نقاط الضعف الواضحة التي تعيب التعافي الحالي، ولكنّ هناك احتمالا واضحا أن يكون هذا راجعا إلى عجز غير مسبوق في الطلب الكلي وليس الضرائب المرهقة والقيود التنظيمية الخانقة.
الواقع أن أهل الاقتصاد حسموا منذ فترة طويلة الجدال حول ما يدفع الإنفاق الرأسمالي على الأعمال: العوامل التي تؤثر على تكاليف رأس المال (أسعار الفائدة، والضرائب، والقواعد التنظيمية) أو تلك التي تؤثر على الطلب في المستقبل. فكانت الكفة راجحة بسهولة لصالح النماذج المدفوعة بالطلب (والتي تعمل من خلال ما يسمى التأثيرات «المعجلة»).
وهو أمر منطقي. فمن غير المتوقع أن تعمل الشركات على توسيع قدرتها واستئجار العاملين إلا إذا كانت تتوقع نمو أسواقها في المستقبل. وفي حالة الولايات المتحدة، قد يكون هذا أيضا من قبيل المبالغة. فمنذ الربع الأول من العام 2008، لم يتجاوز نمو الإنفاق الاستهلاكي الشخصي المعدل تبعا للتضخم في الولايات المتحدة 1.6 % سنويا في المتوسط -أقل بنقطتين مئويتين كاملتين من القاعدة المعتادة التي بلغت 3.6 % في السنوات الـ12 الفائتة. والواقع أن الفترة الحالية تُعَد أضعف 35 ربعا من نمو الاستهلاك الحقيقي في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية. وإذا كان الماضي مقدمة للحاضر -كما هي الحال مع العديد من الشركات عندما تقوم بتأطير توقعاتها- فإن التركيز على تخفيف الضرائب وإزالة القيود التنظيمية قد يكون جهدا عقيما من دون معالجة ضعف الطلب الاستهلاكي.
وهي نفس القصة عندما يتعلق الأمر بالقدرة التنافسية. فربما يتحسر ترامب على خسارة أمريكا لوضعها التنافسي الذي كان مهيمنا ذات يوم. ولاستعادة ذلك الوضع، يؤطر ترامب شعار حملته «أمريكا أولا» حول تأييد صريح لتدابير الحماية، والذي أكَّدَت عليه العبارة المؤرقة التي وردت في خطاب تنصيبه: «سوف تقودنا الحماية إلى قدر عظيم من الازدهار والقوة».
بيد أن سرد ترامب حول أمريكا التي كانت عظيمة ذات يوم والتي يفترض أنها خسرت قدرتها التنافسية يتناقض مع أفضل الأدلة المتاحة: الملخص السنوي الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يوفر تقييما مفصلا يشمل 114 مقياسا للقدرة التنافسية الفردية لنحو 138 دولة.
في تقرير التنافسية العالمية 2016-2017 الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي، احتلت الولايات المتحدة المرتبة الثالثة من حيث القدرة التنافسية الدولية الإجمالية (بعد سويسرا وسنغافورة) واحتفظت تقريبا بنفس المركز الذي حققته على مدار العقد الفائت. صحيح أن أداء الولايات المتحدة كان هزيلا في ما يتصل بمعدلات الضريبة على الشركات، والقواعد التنظيمية، والبيروقراطية الحكومية: ولكنها تعوض عن كل أوجه القصور هذه وأكثر بفضل تصنيفاتها الشديدة الارتفاع عندما يتعلق الأمر بالقدرة والإبداع (المرتبة الثانية بين 138 دولة)، وإنفاق الشركات على البحث والتطوير (المرتبة الثانية بين 138 دولة)، وتوفر العلماء والمهندسين (المرتبة الثانية بين 138 دولة).
كما كان الأداء المبهر في ما يتصل بتطوير الأسواق المالية، وكفاءة سوق العمل، والعديد من جوانب تطور بيئة الأعمال من الإضافات الكبرى لترتيب أمريكا المرتفع على الدوام في التقرير العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي. باختصار، لا نستطيع أن نزعم أن الولايات المتحدة خسرت قدرتها التنافسية.
في عالَم مثالي، قد يكون من المفيد تبسيط، بل وحتى خفض، الضرائب والأعباء التنظيمية المفروضة على الشركات الأمريكية. ولكن الأعمال ليست الحلقة الضعيفة في السلسلة الاقتصادية الأمريكية، فالعمال هم الأكثر عُرضة للخطر. لقد تحولت العائدات الاقتصادية بشدة من مقدمي العمل إلى أصحاب رؤوس الأموال على مدار السنوات الـ25 الفائتة. وينبئنا هذا، أكثر من أي شيء آخر، عن الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الحوار السياسي الاقتصادي الوطني في أمريكا على وجه السرعة.

عضو هيئة التدريس في جامعة ييل والرئيس السابق لشركة مورجان ستانلي في آسيا