هل حانت لحظة تقاسم الغنائم في اليمن؟

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٩/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٠٠ ص
هل حانت لحظة تقاسم الغنائم في اليمن؟

علي ناجي الرعوي

لم تكن الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة ضد أهداف لتنظيم القاعدة في جنوب وشرق اليمن مفاجئة.. مثلما لم يكن مفاجئا (الكشف) بالتزامن مع هذه الضربات عن عزم واشنطن تعزيز وجودها العسكري باليمن من أجل مواجهة الجماعات الإرهابية وعدم السماح لها بالوصول إلى مضيق باب المندب الذي يشكل ثاني ممر استراتيجي في العالم.. كما لم يكن مفاجئا أن نرى الصين تخرج عن صمتها الأسبوع الفائت عبر التنديد بما أسمته التعاون الأمريكي - المصري - الإماراتي لإنشاء قاعدة عسكرية في جزيرة ميون اليمنية المحاذية لباب المندب باعتبار أن أي وجود عسكري في هذه الجزيرة يمثل تهديدا للملاحة الدولية ويتعارض مع المصالح الصينية ودول الاتحاد الأوروبي، وعلى نفس المنوال فلم نستغرب أن يظهر الإعلام الروسي في ذات الوقت محمولا بنوع من الدهشة حيال التهافت الإقليمي والدولي على اقتسام الغنائم في اليمن دون النظر إلى حالة الاختناق التي تشتد ضغوطاتها على أهله الذين هم بحاجة في هذه اللحظة إلى من ينقذهم من ويلات الموت جوعا أكثر من حاجتهم إلى من يدلهم على حقيقة أن بلادهم أضحت حلبة لتقاسم الغنائم والحصص أو أنها أصبحت مرشحة لتصبح ساحة لصراع قادم على المصالح بين الدول الكبرى.

لم نتفاجأ حقا من توسيع واشنطن لضرباتها العسكرية وتصعيدها ضد عناصر تنظيم القاعدة والذي جاء مسنوداً بتضخيم رسمي أن هذا التنظيم أصبح يمثل تهديدا خطيرا ليس لليمن ودول المنطقة فحسب بل لمنظومة الأمن الدولية برمتها لإدراكنا تماما من هذا التصعيد لم يكن عفويا أو تلقائيا بل إن إبرازه بذلك الشكل الدراماتيكي الذي انعكس بقوة على شاشات الفضائيات العالمية خلال الأيام الستة الفائتة إنما كان الهدف منه هو الإفصاح عن بداية ما يسمى بـ(عهد ترامب) والذي سيعتمد سياسة جريئة لم نعهدها ربما لدى رؤساء أمريكيين سابقين وأن من أولويات هذه السياسة إعادة واشنطن كلاعب أول في أحداث منطقة الشرق الأوسط بعد أن كان الديمقراطيون يعدون العدة في عهد الرئيس أوباما للانتقال بأمريكا إلى الواجهة الآسيوية وتحديدا إلى شرق آسيا، لأن هذه المنطقة من وجهة نظرهم هي من ستكون محور ارتكاز التنافس القادم على قيادة العالم وليست منطقة الشرق الأوسط.

رغم أن كل الشواهد المستقاة خلال الأعوام الـ 28 التي تلت الحرب الباردة قد برهنت عن أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة لم تلتزم بسياسة متناسقة نحو اليمن وأن النظرة إلى هذا البلد لم تختلف كثيرا بين الجمهوريين والديمقراطيين بدليل أن التمايز على صعيد السياسة الخارجية بين الحزبين خلال ولايتي الرئيسين جورج بوش الأب وجورج بوش الابن وفي عهدي الرئيسين كلينتون وأوباما كان اليمن فيه هو الاستثناء إذ لم يتأثر بذلك التمايز حيث ظل اليمن يحتل موقعا هامشيا في السياسة الأمريكية في كل المراحل الأمر الذي جعل من إصرار ترامب على اتخاذ اليمن منطلقا لإستراتيجيته في المنطقة يثير الكثير من التساؤلات إزاء الأهداف المستترة من وراء هذا الاختيار الذي يقلب المنحى السائد عن اليمن في السياسة الأمريكية، إذ أننا إذا ما ربطنا بين هذا التوجه غير الواضح وغير المفهوم وسيناريو حرب الولايات المتحدة الجديدة ضد الإرهاب في بلد تعبث به حرب داخلية وإقليمية منذ العامين فإن ذلك لن يخرجنا عن دائرة التشكيك جراء دوافع التحركات الأمريكية الأخيرة في اليمن وما ترمي إليه وما تضمره من الأهداف.
دائما ما تشكل ثنائية (تمدد النفوذ - ومحاربة الإرهاب) تلازما حيويا في الأجندة الخارجية الأمريكية ومع بداية عصر جديد في البيت الأبيض يقوده الجمهوري دونالد ترامب لم يعد خافيا على أحد التغيرات التي قد تشهدها السياسة الأمريكية على نطاق العديد من القضايا الإقليمية والدولية وهو ما يعني معه أن التدخل الأمريكي في اليمن ليس معزولا عن مجرى هذا التغيير، فالتصريحات التي أطلقها ترامب خلال حملته الرئاسية وعلى الأخص ضد إيران تجعل من غير المستبعد أن ما تقوم به واشنطن تحت ستار الحرب على الإرهاب في اليمن هو من قد يندرج بصورة أو بأخرى في إطار توفير الجاهزية لهذه المعركة الآتية حكما مع إيران وبالذات في ظل قناعة الرئيس ترامب من أن طهران قد تجاوزت الحدود المسموح بها حينما عمدت إلى خلخلة التوازن في المنطقة واتجهت نحو أحكام طوقها الذي تحاول -بحسب الرؤية الأمريكية- ترسيخه من بيروت إلى صنعاء مرورا بدمشق وبغداد.
لا ريب أن واشنطن قد بدأت تأكيد حضورها في المشهد اليمني بإرسال المدمرة (كول) التي سبق وأن تعرضت لهجوم إرهابي أمام ساحل ميناء عدن العام 2000 أسفر عن مقتل 17 جنديا أمريكيا وذلك للمرابطة في باب المندب.. وأن واشنطن أيضا من تسعى إلى تعزيز هذا الحضور من خلال الاستحواذ على جزيرة ميون واستخدام هذه الجزيرة المطلة على باب المندب كقاعدة عسكرية بعد أن حصلت على موافقة بعض الأطراف الإقليمية، وأنها من قد تتجه إلى السيطرة على قاعدة العند القريبة من مدينة عدن خصوصا وأن هذه القاعدة تعد من أهم المراكز التي كان يستخدمها الاتحاد السوفيتي في عهد النظام الماركسي الذي كان يحكم الشطر الجنوبي من اليمن، وذلك لتأمين تفردها بالهيمنة على مضيق باب المندب وكذا السواحل الغربية اليمنية، ومن الثابت أن مثل هذه الخطوات ليست بعيدة عن أنظار المحور الروسي - الصيني الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكتفي بالتعبير عن الامتعاض تجاه الاحتشاد الأمريكي في اليمن تحت غطاء الحرب على الإرهاب، حيث وما يدور في الكواليس يشي إلى أن هذا المحور ما زال ينتظر حصته من الغنيمة أو الكعكة اليمنية منعا لتصادم الرهانات المتناقضة والتي قد تكبر بمقدار كبر الصدام والتنافس على المنافذ الحيوية في هذا البلد.
الوضع الجديد الذي يتشكل في اليمن يجعل الجميع في مأزق سواءً في الداخل المحلي أو في الجوار الإقليمي بصرف النظر عما إذا كانت الأجندة الأمريكية في اليمن تتصل بالحرب مع إيران أو بالرغبة بالتفرد بالهيمنة على باب المندب، ففي كلا الأمرين فإن المنطقة ستكون مسرحا لصراعات إقليمية ودولية جديدة وستكون لها تداعياتها وانعكاساتها السيئة على المحيط الخليجي والعربي، والحقيقة التي لا يجب أن تغيب عنا أن ترامب لم يأت بقواته إلى اليمن من أجل حماية اليمن ودول الخليج من تنظيم القاعدة أو من أجل حماية أهم الممرات المائية في العالم (باب المندب) وإنما جاء لحماية المصالح الأمريكية في المقام الأول وإعادة فرض النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة.