فن "النجومية"

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٦/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
فن "النجومية"

محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com

كان صاحبي يشير إلى جناح في معرض الكتاب، الزحام أمامه، وعليه، بيّن، لا لبس فيه ولا غبار عليه، خاصة من جيل العشرينيات وما دونها، حينها استعدت حكاية في معرض بصلالة كان عارض الكتب يخبرني بما يشبه الخيال..
وضع بين يدي كتابا، وطلب مني حلّ اللغز: كم تتوقع سعر هذا الكتاب؟
وقياسا بما أعرفه من أسعار، رافعا السقف قليلا ليبدو كما تضعه دور نشر عربية وهي تأتي إلى بلدان الثروات النفطية تبيع سلعتها، وتمعنت في بعض الأسطر لأتبيّن مستوى اللغة والفكرة، والتي لم تكن إلا بسيطة تقترب من الرومانسية وكتابات المراهقين، أو المخصصة لقلوبهم، لا لعقولهم.. قلت له: خمسة ريالات.
ابتسم (الأخ) وكأنه يقول لي تلك هي بضاعتكم الراكدة التي لا تعد الخمسة عليها كثيرا، إنما هذا بعشرة ريالات، وكان ذلك كافيا أن أطلق شهقة تخيلت أن جميع من في المعرض سمعها، عشرة ريالات!! لكنني حاولت استعادة هدوئي قليلا، وقلت له فليضع حتى عشرين ريالا ثمنا لها، إنما من يشتري، هنا ضحك، وخلت الضحكة على عقليتي الراكدة، والتي لا تعرف قيمة الكتب (المهمة)، أوضح لي كشفا يوضح ذلك، ولاحقا أشاهد تحليق شباب وشابات (وهذا هو موطن الحسد) يطلبن تلك النوعية من الكتب، قال إنه يبيع العشرات منها يوميا!!.
تفحصت الأسماء، هي "خليجية"، ولم أستغرب الأمر، كون أن هذه "العقدة" منتشرة في بلادنا، وفي مجالات عدة، خاصة "الفني" كما كنت "شاهد عيان" على حالات غريبة، إذ في المهرجانات الفنية ما أن نكون جلوسا في القاعات وترى "الفنانة فلانة" الممثل القادم من دولة خليجية إلا وتصاب بهستيريا كأن نجما هبط عليها من السماء، فكأنها تحلم بما تراه، ولا تصدق عينيها، مع أن "الفنان" ليس إلا ضمن "المهرجين" في الدراما الخليجية، وليس من وزن "الكبار" أداء وخلقا.
سأل أحدهم، معلقا على الزحام الواقف أمام الكاتب الخليجي، إن كانت كتاباته للمراهقين فلماذا لا يكتب كتّابنا للمراهقين؟! وينال هذه النجومية؟!
ببساطة.. لا يليق بالكلمة أن تهبط من عليائها لتكون جاذبة للمراهقين، حيث تصبح طُعم جذب أكثر من القيمة، وإن كتب هذا (العماني) فإنه سيكون عرضة للانتقاد (والانتقام) والتشهير كونه يقدم مائدة فاسدة لجيلنا (الخلوق) فيعلمه لغة الرومانسية البائسة، وغيرها من الاتهامات التي تنهال عليه.. لكن عندما يكون صاحب الكتاب (مرتديا الغترة والعقال) فهو ممسك بالعلم والأدب والفكر والثقافة، يستوي في ذلك طارق العلي، وطارق الحبيب، وبروين حبيب، مع الاعتذار الكبير، والاحترام الأكبر (للمعلم طارق)، فالفنان في بلادنا غير جدير بكلمة (الإجادة) والمفكر إنما هو (شخص يحب الظهور) والمذيع (ضعيف)، وكلما شاهدنا سياسيا يقوم بفعل ما أو أدلى بتصريح ما، لا نقول إنها فن صناعة النموذج كما يخطط لذلك، بل هي المثالية التي نقيس عليها أنفسنا، مع أن ما لدينا جدير أن نفخر به، إنما هي عقدة أصابت كثيرين، وتتفشى كما يراد لها أن تغزونا، ولا نعذر أنفسنا أننا نشارك في هذه "النزعة".. والدور الحكومي فيها كبير!