إنجاز ثورة صناعية أفريقية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٥/مارس/٢٠١٧ ٠٤:٠٠ ص
إنجاز ثورة صناعية أفريقية

جوستين يي فو لين

زادت الاقتصادات الأفريقية من سرعتها في منتصف الألفية الثانية بعد أن أمضت عقودا من التقدم البطيء لكن ما ينتظر القارة الأفريقية ليس طريقا ممهدا وإذا أرادت أفريقيا أن تصبح المحرك القادم للأسواق الناشئة بحيث تعزز النمو الاقتصادي العالمي فيجب عليها المضي قدما نحو التنمية الصناعية.

يتفق الاقتصاديون على أن الصناعات الخفيفة التي تتطلب قوى عاملة كبيرة مثل صناعة المنسوجات والملابس والأحذية وما يتصل بها من أدوات وماكينات قد لعبت دورا كبيرا في زيادة الدخل القومي منذ الثورة الصناعية الأولى إلا أن أفريقيا لم تنجح في المشاركة بشكل كامل في التنمية الصناعية وهو الإخفاق الذي جعلها تتخلف عن ركب العالم النامي منذ السبعينيات. في العام 2015 قامت جميع دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بتصدير نفس كمية الملابس التي قامت بتصديرها السلفادور وهي دولة صغيرة المساحة.
أفريقيا في حاجة ماسة إلى ثورة صناعية إذا أرادات توفير وظائف للأعداد المتزايدة من الشباب بين السكان وتقليل ضغوط الهجرة وبعض لبنات البناء معروفة وهي مؤسسات إدارية فعالة وجديرة بالثقة وبنية أساسية حديثة والتعليم. ما هو أقل وضوحا هو من الذي يجب عليه أن يقوم بتوفير ما سبق وما الدور الذي سيقوم به؟.
فلنبدأ بالحكومة. كان الرأي السائد والذي يوجه السياسة الاقتصادية منذ العقود القليلة الفائتة أن قوى السوق يجب أن تُترك كما هي حتى لا يختل نظامها، وأي تدخل دولي كان ينظر إليه على أنه إما غير مجدي أو محفوف بالمخاطر.
وقد بدأ ذلك الرأي يتغير مؤخرا. اعتبرت السياسة الصناعية رقم 2 أن الدولة لها دور مشروع في تحفيز التنمية الصناعية طالما أنها تركز على تعزيز المزايا النسبية
وهذا المنهج أصبح يشكل بصورة متزايدة أحد العناصر الرئيسية للاستراتيجيات القومية الاقتصادية.
يمتد نطاق السياسة الصناعية إلى ما هو أبعد من ذلك، ففي عالم سلاسل القيمة والتي تمتد عشوائيا تعد الخدمات واللوجستيات مهمة بقدر أهمية تقطيع الحديد وتجميع لوحات الدوائر الكهربائية، حيث يجب ألا تشمل السياسة الصناعية التصنيع فقط بل أيضا الأنشطة الاقتصادية التي تدعمه وحتى القطاع الزراعي يتعرض الآن لضغوط لزيادة القيمة المضافة وهو اتجاه يطلق عليه اسم «انتعاش التنمية الصناعية».
وهذا يشير ضمنا إلى الدور الرئيسي الذي تقوم به العوامل الخارجية ففي اقتصاد عالمي مترابط فإن التنمية الفعالة تتطلب شراكات فعالة، وهي حقيقة تتفهمها الصين أكثر من معظم الدول، حيث إن معجزتها الاقتصادية مرتبطة بشكل كبير بسلاسل القيمة العالمية مما يفسر أن الصين كانت أول دولة في مجموعة العشرين تدرك أهمية دعم التنمية الصناعية في أفريقيا.
وقد عملت الصين في أفريقيا بصفتها الرسمية وباعتبارها ممولا كبيرا للاستثمارات الخاصة وتعلم الحكومة الصينية أن أفريقيا بمقدورها مساعدة الصين في التصدي للتحديات التي تواجهها من ازدياد أعمار السكان على المستوى المحلي إلى ارتفاع النزعة الحمائية بالخارج والتي ستقوم إلى جانب أشياء أخرى بممارسة الضغط على الأنشطة التي تتطلب قوى عاملة كبيرة والشركات الصينية المتعددة الجنسيات ترى إمكانيات كبيرة في مثل هذه الأسواق النامية والضخمة مثل تلك الموجودة في أفريقيا.
وبالفعل تستعد الصين لنقل 85 مليون وظيفة في الصناعات الخفيفة من الاقتصادات الشرق الآسيوية ذات الدخل الأكبر والتي تشمل اقتصاد الصين إلى أفريقيا، وهذا يمثل فرصة مهمة لأفريقيا كي توفر مجالات عمل أكثر وأفضل لمواطنيها، الأمر الذي يقلل من الفقر ويعزز من النمو الديناميكي.
وقد بدأت هذه العملية بالفعل والنتائج المبدئية مشجعة. يساعد الاستثمار الصيني في أثيوبيا بصفة خاصة على تحقيق الأهداف التنموية الطموحة المنصوص عليها في خطة النمو والانتقال الأثيوبية وساهم في ظهور أثيوبيا كواحدة من أكثر الاقتصاديات الأفريقية نموا خلال العقد الأخير. لكن لا يوجد دولة واحدة ولا حتى دولة تتمتع بالقوة التي تتمتع بها الصين يمكنها تقديم الدعم الكافي لتعزيز نجاح الثورة الصناعية الأفريقية إلا أنه توجد دولة أخرى على الأقل موقفها قوي ويمكنها أن تشارك في هذه العملية وهي إيطاليا.
بصفتها ثاني أكبر قوة صناعية في أوروبا فإن إيطاليا تعد الملاذ للعديد من الشركات التي تقود سلاسل القيمة العالمية خاصةً في الصناعات الخفيفة والأغذية الزراعية. هذه الشركات لديها من القوة التي تجعلها تزيد ثقة المستهلك الدولي في المنتجات التي صنعت في أفريقيا وأخيرا في الماركات الأفريقية.
وتعد إيطاليا حالة نادرة لأنها تفتخر بامتلاك مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم والتي تقوم بأدوار قيادية عالمية في صناعاتها المتخصصة والعديد من هؤلاء الشركات المتعددة الجنسيات الصغيرة قامت باستثمارات في الصين والشركات الصينية تقوم باستثمارات في الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الإيطالية من أجل تجميع المهارات واقتناء العلامات التجارية والوصول إلى أسواق جديدة.
وتقدم هذه الروابط أساسا نموذجيا للاختراق المشترك للأسواق الأفريقية والاستكشاف المشترك لقدرة القارة كمركز عالمي للصناعة. يمكن أن تتغلب الشركات الصينية والإيطالية معا على التحديات التي تطرحها البيئة السياسية غير المستقرة والموارد المالية والبشرية المحدودة.
ومثل هذا المنهج يعد عنصرا مكملا للتعاون الحكومي الموجه لإزالة القيود المفروضة على مستوى الاقتصاد كله من أجل تحقيق نمو اقتصادي مستدام وفي واقع الأمر فإن تجربة الصين وإيطاليا في التعاون في جميع أنحاء العالم تعني أن الصين وإيطاليا لديهما روابط حكومية قوية تدعمها ثقة واحترام متبادلين. في لبنان على سبيل المثال كان هناك 418 جنديا صينيا يعملون تحت القيادة الإيطالية في يوليو الفائت كجزء من قوة الأمم المتحدة المؤقتة هناك.
إن من المناسب أن تعمل الصين وإيطاليا معا لاستغلال الفرصة التي يقدمها التصنيع الأفريقي ودمج عمال القارة في سلاسل القيمة العالمية وضمان التوزيع العادل للمكاسب الناتجة. وبينما يستعد الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الإيطالي سيرجو ماتاريلا لإجراء قمة ثنائية في وقت لاحق من هذا الشهر فإن من المفيد جدا إضافة التنمية الصناعية الأفريقية لجدول أعمالهما.

كبير خبراء الاقتصاد الأسبق في البنك

الدولي وأستاذ في جامعة بكين