ناصر.. وحورية البحر

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٢/مارس/٢٠١٧ ٠٤:١٠ ص
ناصر.. وحورية البحر

محمد الرحبي
alrahby@gmail.com
facebook.com/msrahby

تعرفت على المرحوم ناصر البلال قبل أكثر من عقدين من السنين، وكان في قلبه دفتر شعره يختار لنا من القصائد ما يدفعنا لحماسة تلقٍ، تتوازى مع حماسته في إلقائها، كان اللقاء في القسم الثقافي بمبنى جريدة عمان القديم في روي، في تسعينيات القرن الماضي.

ومرت السنوات تترى، والتقيت البلال مرات عدة، وفي كل مرة كنا نستعيد صدى تلك الجلسة، والقصيدة التي ألقاها على مسامعنا، وكأنما صداها يرسم جدارية لسفينة فتح الخير وقد عادت لتشمخ من جديد فوق موطنها الأول، على الساحل الصوري، وقد تغزّل فيه وافتخر بها:

عادت فقم حيّها، قم ناج حاديها

فقد تهادت إلى شاطئ الهوى تيها
عادت تغذّ الخطى جذلى مهلهلة
والموج يلثمها شوقا، يحييها.

إلى أن يقول:

«خضراء» أمجادنا في كل معترك
من الحياة، تلالا في دياجيها.

كان البلال يتداخل بين بضعة أبيات ليلقي جملة ساخرة تحيل المشهد الحماسي إلى انفجار من الضحك، واستعاد حديثه مع الشاعر الكبير الراحل نزار قباني حينما قال له: هل ضاقت اللغة العربية أن تجد مفردة غير لفظ الجلالة حينما قلت في قصيدتك «الله مات وعادت الأنصاب؟»، مع أن اللغة حمّالة أوجه، وكان نزار يعني القيم الدينية العليا التي ماتت في قلوب البشر، بما تعنيه كلمة الله من سمو، ولم يكن ذلك خافيا على فارس لغوي كمثل ناصر البلال لكنه آثر أن يكون لفظ الجلالة أسمى من التعبير النزاري ذاك.

كان المرحوم فارسا متحققا في القصيدة ومتحدثا، لاسيما في الجدل النقدي تجاه ما كان متفجرا في التسعينيات حول مفهوم الحداثة، وفي قصيدته «مع الأعشى في سوق صحار» تجلّت شاعريته مدافعة عن القصيدة العربية القديمة:
عانق صحـــار المجــــد أقـــام الـركــــب أم رحلــوا
وألثم ثراها فمنها ترتوي القبل
صنّاجة العرب ألمم.. فالنديم هنا
وذي «هريرة» تهفو نحوها المقل

وفي مخاطبته للأعشى يصل إلى آخر بيتين في القصيدة:

قد كنت طيرا على أفنان مهجتنا
واليوم صوّح ذاك الغصن والزجل
«ميمون» عفوا فلا تربع بمحفلنا
فاصحب «هريرة» إن الركب منتحل.

بقي ناصر البلال وفيا للشعر والقصيدة التي آمن بها، حتى آخر نبض في قلبه، فجاء ختام ديوانه «حورية البحر»، وقد صدرت طبعته الثانية قبل أيام، بقصيدة أهداها إلى «ظفار»، وربما لم يشفع له العمر ببعض الوقت كي يكملها، فرحل عن دنيانا:

وافيت تسلمني الأمواج للسحب
فيا «ظفار» اسكبيني فيك وانسكبي
حملت حبك من (عاد) وما برحت
ذكراك تبعثني كالطائر الطرب