«لا أحد فوق القانون ولا حتى الرئيس»

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٩/فبراير/٢٠١٧ ٠٤:٠٠ ص
«لا أحد فوق القانون ولا حتى الرئيس»

جمال زويد

لا تخلو الإجراءات والقرارات التي افتتح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب عهــده من عدد من الأمور التي يجدر تأملها والنظر إليها -وربمــا- الاعتبار منها، وكذلك الأهم معرفة أن تقدير البشـــر يختلف عـــن تدبير وإرادة ربّ العالمين، فكم مــن التقديرات والخطط يبذل أصحابها من أجل تنفيذها أضعاف ما تستحقه من الحرص والجهد، ويأخذون لها مــن الأسباب ما يجعلها تسير (كالمسطرة) في دقتها، وبالأرقام، ولكنها مع ذلك تفشل أو تذهب نتائجها إلى غير أهدافها ومرادها لا لشيء سوى أن المولى عز وجل قد أراد غير ذلك.

كان من أوائل القرارات التي أصدرها الرئيس الأمريكي ترامب هو ما يُسمى بمرسوم منع الهجرة الذي يقضي على الأخص بمنع اللاجئين السوريين ومعهم مواطني سبع دول إسلامية هي «العراق، سوريا، اليمن، السودان، ليبيا، الصومال، إيران» من الدخول للأراضي الأمريكية حتى لو كانوا يحملون تأشيرات صالحة، وحتى لو كانت جنسيتهم مزدوجة مع الجنسية الأمريكية!

وبالفعل تم البدء في تطبيق هذا القرار الذي سرعان ما توالت الاحتجاجات عليه، ليس من الدول الممنوعة رعاياها وإنما جاءت الاعتراضات الأقوى من الداخل الأمريكي نفسه، حيث توافدت إلى مختلف مطارات الولايات المتحدة الأمريكية العديد من المنظمات الحقوقية هناك معلنة أن هذا الإجراء غير قانوني وغير دستوري لأنه مبني على تمييز واضح على أساس الدين، بغض النظر عن ماهية هذا الدين.
ليس هذا فحسب وإنما انطلقت دعوات من ناشطين حقوقيين وسياسيين للتظاهر ضد هذا القرار -لاحظوا أنه قرار رئاسي- تدافعت استجابة لتلك الدعوات جموع غفيرة فيها عشرات الآلاف من الأمريكان إلى المطارات الكبرى هناك مثل: نيويورك، لوس أنجلوس، سان فرانسيسكو، ديترويت، واشنطن العاصمة، سياتل، بوسطن، دنفر، شيكاغو اعتراضاً وضغطاً لوقف هذا القرار الذي لاقى أيضاً استنكاراً واسعاً في الدول الغربية -وليست العربية- مثل فرنسا وألمانيا وكندا وبريطانيا التي دعا أعضاء في برلماناتها إلى حظر دخول ترامب نفسه لأراضيها احتجاجا على قراراته. بل أعلن «جاستين ترودو» رئيس وزراء كندا احتجاجه بقوة على قرار ترامب ووجّه رسالة قوية قال فيها «لأولئك الفارين من الاضطهاد والإرهاب والحرب، الكنديون يرحبون بكم، بغض النظر عن عقيدتكم، التنوع هو مصدر قوتنا، أهلا بكم في كندا».
كان التعاطف مع المسلمين هو العنوان الكبير الذي يمكن استخلاصـــه مـــن عمـــوم تداعيــات قرار الرئيس ترامب، ويأتي هذا التعاطف الذي انتشر في أمريكا وأوروبا في الوقت الذي عانى فيه المسلمون هناك خلال هذه الفترات من تضييق وملاحقات واتهامات بالإرهاب وتعرّضوا لحملات (الإسلام فوبيا).
وتحوّلت -بعد بدء تنفيذ هذا القرار- العديد من الساحات والمطارات إلى مصلّيات غصّت بالآلاف من المسلمين العالقين في المطارات أو المحتجين ضد القرار. وكأن لسان الحال يقول إزاء هذا التعاطف وتلك المشاهد (ربّ ضارّة نافعة)! وهو مثل دارج يحمل اختصاراً للتعبير عن منافع حدثِ ما، أوّله ضار ولكن آخره نافع إن شاء الله.
على أن أكثر الأشياء التي يمكن أن تلفت الانتباه وتشدّ الأنظار إليها، خاصة بالنسبة للعديد من الدول العربية والإسلامية، هو موقف القضاء الأمريكي، إذ تنادت منظمات سياسية وحقوقية لرفع دعاوى قضائية ضد قرار أصدره رئيس الدولة العظمى، تطالب ببطلانه وإيقافه.
ليس معروفاً بالضبط عدد الدعاوى المرفوعة من مختلف الولايات الأمريكية لكن الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية كان من أوائل من قام برفع قضية عدم قانونية أوامر وقرارات ترامب أمام المحاكم الفيدرالية، وأعلن أنه سيتابع رفع القضايا في كافة الدوائر القضائية حتى يحصل على أحكام نهائية بعدم دستورية تلك الأوامر التنفيذية.
وتبعاً لذلك توالت الأحكام القضائية التي كان أبرزها حكم جيمس روبارت قاضي سياتل الفيدرالي الذي علّق العمل مؤقتا بمرسوم ترامب إلى حين النظر في شكوى وزير العدل في ولاية واشنطن ضد هذا المرسوم، وجاء في حيثيات حكمهم أنه «لا أحد فوق القانون ولا حتى الرئيس».
وأعلنت الإدارة الأمريكية بعد هذا الحكم القضائي أن أبواب الولايات المتحدة عادت وفتحت أمام رعايا الدول دون تمييز في سابقة -ربما- نادرة الحدوث، أن يتصدّى القضاء لوقف قرار صادر من رئيس الدولة، وليست كأية دولة.
كاتب بحريني