
علي بن سالم الراشدي
لن أخوض في تفاصيل الزوبعة التي أثارها رفع أسعار المشتقات النفطية الأسبوع الفائت والتي وصل فيها سعر اللتر نحو 200 بيسة لأول مرة، والتبعات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذا الارتفاع، ولكن سوف أتحدث عن الأسباب التي جعلت الحكومة ملزمة إلى رفع الدعم الذي تقدمه لهذه المشتقات والذي التزمت به على مدار أكثر من 45 سنة فائتة وهو كما يعلم الجميع الانخفاض في إيراداتها نتيجة لانخفاض أسعار النفط والذي أدى إلى البحث عن بدائل أخرى لتعويض العجز المرتفع في الموازنة العامة للدولة والتي شهدت عجزا قياسيا العام الفائت يتوقع أن يلامس السبعة بلايين وأبرزها خفض الدعم المقدم للوقود.
الارتهان بالإيراد النفطي وعدم التنويع في الإيرادات هو ما فرض الواقع الحالي وهو ما حدا بمراجعة كافة بنود الموازنة ومحاولة الموائمة بين الإيراد والإنفاق بحيث يكون العجز في الحدود الآمنة التي تضمن النمو الاقتصادي المتوازن مع الحرص على عدم تأثر ذوي الدخل المحدود من الإجراءات المتخذة، وهو أمر يجب أن يراعى في كافة الخطوات التي قد تتخذ مستقبلا سواء في رفع الدعم عن الخدمات الأخرى المقدمة مثل الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات التي تحتاجها هذه الفئة، وذلك عبر طرح حزم للدعم تؤمن حصولها على الخدمات بسعر تفضيلي يتواكب مع دخلها ولا يضيف عبئا آخر. المؤكد أن أزمة انخفاض الإيراد النفطي هي أزمة إقليمية تأثرت بها كافة الدول المنتجة للنفط، وهي خارج إرادة هذه الدول، فالنفط سلعة كغيرها من السلع تتأثر بالعرض والطلب، ولكن الغريب هو عدم استفادتنا من الدروس السابقة والتي عصفت باقتصادنا عدة مرات، فالأزمة ليست جديدة، وقد شهدناها مرات وخرجنا منها بوضع الاستراتيجيات والخطط الحالمة للتقليل من الاعتماد على هذه السلعة الخادعة، ولكن ظلت حبرا على ورق، فقد سمعنا قرقعة ولكننا لم نر طحنا. الأرقام تقول إن اعتمادنا على النفط يزيد سنويا وأن الخطط التي وضعت سابقا للتنويع الاقتصادي ومنها خطة 2020 والتي رسمت خارطتها بعد مؤتمر دولي شارك فيه العشرات من الاقتصاديين ظلت هذه الخارطة تراوح مكانها ولم ينفذ منها أي شي يذكر، فظل النفط هو المورد الأساس في الإيراد وبعده تأتي الصادرات غير النفطية وأغلبها إعادة التصدير والضرائب، بينما ظلت قطاعات رئيسية مثل السياحة والصناعة والتعدين غائبة عن المشهد وتراوح مكانها مع أن خطة العام 2020 وضعت سقفا رقميا محددا كان يجب أن تصل إليه مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي.
لن أكرر أمرا يعلمه الجميع بأن لدينا موارد اقتصادية هائلة تستطيع أن تدر علينا إيرادات بالبلايين، وذلك إذا ما استغلت استغلالا اقتصاديا، ومنها الموارد الطبيعية المتجددة مثل صيد الأسماك والزراعة والتعدين والسياحة، وهي موارد تحتاج إلى إطلاق صناعات لاستغلال إمكانياتها عبر جذب رؤوس أموال أجنبية تستثمر ضمن بيئة محفزة توفر التسهيلات اللازمة للمستثمرين.
وفي الأخير قبل أشهر أطلق برنامج تنفيذ وهو برنامج طموح يهدف إلى تحريك المياه الراكدة والابتعاد عن الخطط والإستراتيجيات الوردية وإلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، وهو فعلا ما نحتاجه اليوم، فقد شبعنا استراتيجيات وبرامج وخطط وما نريده اليوم هو الفعل والفعل الحقيقي لا غير، فلدينا الإمكانيات والموارد الاقتصادية والمطلوب هو إيجاد السبل لاستغلالها من خلال تبسيط الإجراءات والابتعاد عن الروتين الممل والتكامل بين كافة جهات الاختصاص والتي كانت سببا في ذهاب عشرات المشاريع إلى دول أخرى نتيجة لتعقيد الإجراءات.
«تنفيذ» برنامج نتمنى أن يكون الأمل الذي سوف يكسر عقدة التنويع الاقتصادي وأن يكون المخرج لنا من الوقوع تحت سطوة أسعار النفط التي أصبحت السياسة تدير أسعارها أكثر من واقع السوق العالمي، ولي عودة في الحديث عن برنامج تنفيذ بإسهاب أكبر في مقال مقبل بإذن الله.