
علي بن راشد المطاعني
ali.matani2@gmail.com
أصبح الجدل الاجتماعي الذي تشهده الساحة الافتراضية المحلية من مسلمات العصر التي يجب أن نؤمن بها، كأحد أوجه الحراك الاجتماعي الذي تشهده المجتمعات كافة في العديد من القضايا والإشكاليات، فهذا الحراك الافتراضي أصبح ظاهرة عالمية، لسنا في منأى عنها بحكم أننا جزء لا يتجزأ من منظومة هذه القرية الكونية، ولا يجب أن يؤرقنا هذا الحراك كثيرا، فهو امتداد للكثير منها على مر العصور التي شهدتها المجتمعات وعرفتها بمسميات محلية دارجة ككلام «معصرات» تارة وكلام صحف تارة أخرى، وغيرها من المسميات، فضلا عن أن المؤشرات لقياس حجم هذا الحراك مقارنة بعدد السكان أو مستخدمي الإنترنت ليس واضحا لعدم وجود بيانات دقيقة لاحتساب حجم الاعتراض أصلا، رغم أن هناك بديهيات كثيرة يمكن أن تهدينا إلى الصواب حول حجم الظاهرة من عدمها، لكننا لن نخوض في هذه الفرضيات التي نتركها للمختصين.
ونعرج إلى ما ساد الساحة المحلية الافتراضية الأسبوع الفائت من نقاشات وصراخ من خلال المقاطع الصوتية والتغريدات في إطار شحن غير طبيعي وغير ممنهج، كما أن التلاعب بالمشاعر واستغلال ذوي الدخل المحدود واللعب بهم واستجداء البعض لهم لرفع شعبيته، لدرجة أننا أصبحنا نخشى أن مجتمعنا كله بات من هذه الشريحة، والمتاجرة بها من الكل تحت غطاءات مختلفة غير واعية لما تقوم به، وركوب الموجة من البعض الذي يتحين مثل هذه الإشكاليات وغيرها، الأمر الذي يفرز العديد من الجوانب التي يتطلب تدارسها من الجهات المختصة وتقييمها بشكل دقيق، فمثل هذه الظواهر تكشف عن الكثير من الوجوه والخلل في التعاطي مع الإشكاليات إذا جاز لنا التعبير تسميتها، إلا إنه من الأهمية بمكان التعريج على بعض هذه الإفرازات لتبيان الحقيقة وحدها.
ففي البداية يجب أن ندرك بأننا لسنا خارج هذا العالم، وما يشهده من أزمات اقتصادية، ومتغيرات متلاحقة يتطلب مواكبتها بروح المسؤولية واجبة الاتباع، ومن ثم التأقلم معها، بل من الجمود والخطأ أن نظل محلك سر كما يقولون، في حين أن الظروف التي تحيط بنا من كل صوب تلزمنا بضرورة التكيف معها، والتكيف لا يعني الاستسلام للأوضاع مهما كانت صعوبتها، فلا جدوى أن نلعن ليل نهار، ثم نبكي وننوح على الأطلال والدمن، ثم نجلس انتظارا لغيث للسماء لينزل علينا ذهبا وفضة، بل يجب أن نتغلب على هذه الظروف من خلال العديد من البدائل التي تجعلنا أقوى وأقدر، وتحويل هذه التحديات إلى فرص في سياق كفاحنا الدؤوب الرامي لتحقيق حياة أفضل.ونتذكر في المقابل نعم الله علينا في هذا الوطن العزيز والمتمثلة في استدامة أساسيات الحياة ومتطلبات المواطن، كالتعليم والصحة والكهرباء والمياه والرواتب وغيرها من الفضائل والنعم.
إن دغدغة المشاعر والاستعطاف والتلويح بشرائح الضمان الاجتماعي لذوي الدخل المحدود أصبح وسيلة لدى البعض يلعب بها في مثل هذه الظروف، هذه الممارسات ليس لها ما يبررها في الواقع وتحت أي مسمى كان والتي يمتهنها بعض المتسلقين الذين يزعمون أنهم منقذون لهذه الفئات، في حين أن الحكومة لا تحتاج إلى وصايا في هذا الشأن، فرعايتها ممتدة منذ 46 عاما، فلا أعرف مدى التناقض الذي يتحدث عنه البعض حول هذه الشريحة التي لا تعرف حجمها أصلا ومع هذا فهي تملأ الأرض ضجيجا بالتصريحات التي تزعم بأنها تحنو لهذه الفئة، وأن أسعار الوقود تضغط عليها، فما هي الأدلة التي بحوزتها حول حجم هذا الضرر.
أما الحديث عن الثقافة الاستهلاكية وضرورة تغييرها، فهذا ليس جديدا علينا، وهذا تطور يعكس مدى تطور الشعوب وتقدمها عندما توظف وعيها في استهلاك مقنن، وفي إطار وعي يجعلها تدرك حجم ما تستهلكه، فنحن لسنا تلك المدينة الفاضلة، ولا نستطيع القول إن لا أخطاء لنا تذكر ولا نستطيع القول أيضا إننا ملائكة تمشي على الأرض.
فنحن كبشر نخطئ ونصيب حتى في سلوكياتنا الاستهلاكية اليومية، ولعل ما يعزز ما يقال إن رفع الدعم أدى إلى إحداث تغيير في سلوك المجتمع الاستهلاكي هي الإحصائيات التي تشير إلى ارتفاع مبيعات وقود السيارات (91) بالسلطنة لتصل بنهاية ديسمبر 2016 إلى 5 ملايين و654 ألف برميل مقابل مليون و651 ألف برميل خلال نفس الفترة من العام 2015 وبنسبة ارتفاع بلغت 242 في المئة، وفي المقابل انخفضت مبيعات وقود السيارات (95) بنسبة 24 في المئة لتصل إلى 17 مليونا و822 ألف برميل مقارنة مع 23 مليونا و374 ألف برميل خلال نفس الفترة من العام 2015.
هذا تطور إيجابي يجب أن يمتد لكل السلع والخدمات، فليس عيبا أن يكون لدينا هذا الوعي الاستهلاكي المتقدم والذي يجعلنا نستفيد من مدخراتنا بنحو مثالي ومن ثم توظيفها في أمور أكثر أهمية من الاستهلاك غير الرشيد.
أما البعض ممن يستهويه ركوب موجة التواصل الاجتماعي في تحقيق شهرة على حساب الدولة وتأجيج المشاعر وتأليب المجتمع فهذه الممارسات أصبحت ظاهرة مؤسفة للأسف تستغل بشكل سيء حتى من الجهات البرلمانية ومن منتسبيها والتي يتوخى منها أن تكون أكثر إيجابية في معالجتها للأمور، وعدم الانجراف إلى ما تعج به مواقع التواصل الاجتماعي، ونستذكر ونجتر هنا ما تقدمه الدولة من خدمات وجهود كبيرة في البلاد، والعمل على إبراز الجوانب الإيجابية وليس العكس، فهذا منحى خطير في التعاطي مع مثل هذه الظواهر التي تطفو على السطح، فاليوم أزمة عشرين بيسة زيادة في أسعار البنزين، وغدا أمور أخرى، فيجب علينا التعقل في إدارة وتناول هكذا أمور بنحو أكثر حصافة ووعيا في إطار تكريس المسؤولية المجتمعية للمؤسسة التشريعية وأنها بالفعل بحجم المؤسسات البرلمانية المرموقة في العالم.
أما المغردون فمثل هذه الإشكاليات بالنسبة لهم كمناسبات الأفراح وكأيام الأعياد تستهويهم فيها اللايكات وزيادة المتابعين أكثر من مصلحة الوطن العليا للأسف.
بالطبع الدولة تدرك تداعيات رفع الدعم عن الوقود وحدوده وأبعاده، وهي تتابع ارتفاع أسعار النفط وتتمنى كما نحن 100 دولار للبرميل الواحد، مع تحديد ارتفاعها محليا، فهذا التوجه موجود منذ البداية ولا يحتاج إلى توصيات من أحد، لكن الوقت قد يكون غير ملائم للحكم على أسعار النفط وارتفاعها من عدمه في الفترة المقبلة، وبالتالي من السابق لأوانه وضع حدود لارتفاع البنزين.
نأمل أن نتعقل أكثر في معالجة مثل هذه الإشكاليات وعدم الانجرار إلى كل ما يبث في مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه إفرازات لا يمكن إشباعها أو تلبية متطلباتها.