ترامب يبدأ معركته مع الإرهاب في اليمن

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٢/فبراير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
ترامب يبدأ معركته مع الإرهاب في اليمن

علي ناجي الرعوي

يبدو أن اليمن مقبل على حرب جديدة لا رابط بينها وبين الحرب التي تجري على ساحته منذ ما يقارب العامين، فهي حرب مختلفة في بنوك أهدافها عن مجمل بنوك أهداف (عاصفة الحزم).. فالحرب الجديدة هي حرب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب الذي حرص مع دخول الأسبوع الثاني لرئاسته على أن يشن معركته مع الإرهاب أو ما أسماه في خطاب التنصيب الحرب على (الإسلام المتطرف) من على أرض اليمن.. واختيار اليمن منطلقا لبدء هذه المعركة التي قال عنها ترامب إنها ستكون قاسية ومؤلمة لم يكن عفويا أو جاء مصادفة، فاليمن كما ترسخ في الذهنية الأمريكية هو البلد الذي تعود إليه جذور أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي تم قتله في عملية منسقة نفذتها الاستخبارات الأمريكية في أبوت أباد في عهد الرئيس باراك أوباما واليمن أيضا، هي البلد الذي ينتمي إليه القيادي في تنظيم القاعدة أنور العولقي والذي كان مطلوبا لواشنطن قبل أن يتم اغتياله بصاروخ موجه من طائرة أمريكية بدون طيار قبل ست سنوات، بالرغم من أن العولقي كان يحمل الجنسية الأمريكية، وإلى جانب ذلك فإن اختيار اليمن كمفتتح لهذه المعركة بوصفه البلد الذي ينشط على أراضيه أحد أخطر فروع تنظيم القاعدة عبر العالم وأكثرها تنظيما، وذلك كافيا لجعل اليمن يمثل أفضل أرضية لتجسيد رؤية الرئيس الأمريكي الجديد الذي جاء رافعا شعار الحزم في مجابهة الإرهاب والقضاء عليه بمواقعه في الخارج قبل أن ينتقل إلى تهديد الداخل الأمريكي.

لم تكن عملية الإنزال الأمريكية التي نفذتها وحدات خاصة من قوات النخبة فجر الأحد الفائت على إحدى قرى رداع بمحافظة البيضاء وسط اليمن تهدف فقط إلى تصفية مجموعة من عناصر تنظيم القاعدة في تلك القرية النائية بل إن تلك العملية التي تعد الأضخم في تاريخ العمليات الأمريكية ضد هذا التنظيم منذ أعوام والتي شاركت فيها العديد من الطائرات متعددة المهمات كانت ترمي في المقام الأول إلى إبراز جدية الاستراتيجية التي اعتمدها الرئيس ترامب في مواجهة الإرهاب والتأكيد من خلال ذلك على أن هذه الحرب ستستخدم فيها كل عوامل القوة وأنها التي لن تتأثر بأي انتقاد إعلامي أو سياسي حيال ما قد يترتب على طيش تلك القوة.

لا يحتاج المرء أن يكون خبيرا أو ملما بإستراتيجية واشنطن الجديدة ليكتشف أن قرار ترامب بالتدخل العسكري في اليمن، والذي توج بذلك الإنزال الجوي لم تكن الغاية منه تتوقف عند قتل ذلك العدد من عناصر تنظيم القاعدة والذين لا يعتبرون من القيادات الكبيرة في صفوف هذا التنظيم إذ كان بمقدور الإدارة الأمريكية تصفيتهم عبر طائرات (الدرونز) والتي سبق وأن تمكنت من اصطياد العديد من قيادات الصف الأول والثاني في تنظيم القاعدة منذ العام 2009، لكن ما سعى إليه ترامب من وراء هذا القرار الذي يعد الأول من نوعه هو بعث العديد من الرسائل للداخل الأمريكي أولا والبلدان العربية والإسلامية ثانياً، سيما تلك التي تتهم بتفريخ أيديولوجية (المتطرف) أو الحركات المسلحة من أن عليها أن تفهم أن ترامب لن يتوانى عن تنفيذ خياراته التي ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات وأن هذه الخيارات ستكون سكينا على رقاب الجميع.
أحسب واعتقد أن هناك شيئاً ما يحاك لدول المنطقة كجغرافيا وديموغرافيا وأنظمة حكم سياسي ولم يكن الحدث اليمني والمتمثل بعملية الإنزال الجوي للقوات الأمريكية سوى البداية لهذا السيناريو والذي بدأت تفاصيله بتكبير قدرات عناصر تنظيم القاعدة التي تنتشر في داخله والنفخ فيها، بما يظهرها كفاعل للإرهاب الدولي في حين أن أي مبتدئ في العمل السياسي يعرف أنه ما كان لليمن أن يغرق في وحل هذا الإرهاب ويصبح محل جناية أو شبهة لولا ظروف الحرب وحالة عدم الاستقرار التي أحاقت به في السنوات الأخيرة والتي أثمرت سلباً ومكنت الإرهاب من التوسع أكثر، في حين كان بوسع الولايات المتحدة الحاضرة بقوة في الملف اليمني أن تفعل الكثير مما هو إيجابي من أجل إيقاف الحرب المستعرة على أرضه وتمهيد السبل لإعادة دور الدولة في هذا البلد وتعزيز حالة الاستقرار السياسي في داخله على اعتبار أن ذلك يشكل أولى مطلوبات الحرب على الإرهاب وتجفيف منابعه في اليمن أو في غيره، إلا أن واشنطن لم تفعل شيئا في ذلك الاتجاه بل على العكس من ذلك، فقد بدت مواقفها أكثر سلبية مما دفع بهذا البلد إلى منزلق الفوضى والصراع والحروب الداخلية والإقليمية ليصبح معها دولة هشة ومنقسمة على نفسها وساحة تتوالد فيها منابت الإرهاب التي تحولت مع الزمن إلى آفة خطيرة متداخلة الدوافع والآثار.
لم يكن على الولايات المتحدة في عهدها الجديد أن تجتهد كثيراً من أجل تنفيذ تلك العملية من (الأكشن) لمجرد أن تثبت أنها قادرة على إنزال قوات على الأرض اليمنية وقتل عدد من عناصر تنظيم القاعدة وكذا مجموعة من المواطنين الأبرياء بينهم نساء وأطفال جندلهم رجال المارينز الأمريكيون في عقر دارهم لأن الأمر كما يفهم الجميع ليس متعلقا بالقدرة على تنفيذ عملية نوعية بهذا الحجم فكلنا نعرف أن الولايات المتحدة قادرة على فعل ذلك وما هو أكثر منه، لكن ما لا يجب أن يغيب عن ذهن واشنطن أن عمليات كهذه لن تفضي فعلاً، إذا ما استمرت حالات عدم الاستقرار في اليمن إلى اجتثاث جذور الإرهاب فيه، بل إن بقاء اليمن مضطرباً من شأنه أن يؤدي إلى تفقيس أعداد إضافية من أبنائه واختطافهم لصالح الإرهاب.
كلنا ساخطون على الإرهاب لأنه يسيء إلى ديننا وعقيدتنا وأخلاقيات مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكلنا على قناعة من أن فكر الإرهاب هو فكر جانح وغير سوي، ومن يعتنق هذا الفكر هو خارج عن كل مجتمع وعن كل ديانة وعن كل ثقافة، ومع ذلك فلا ينبغي أن تتحول مكافحة هذا الوباء إلى إرهاب آخر يمارس على شكل عقاب جماعي كما هو شأن عشرات المدنيين الذين قتلوا في عملية الإنزال الجوي الأمريكي أو على شكل عقوبات تفرض على مجتمعات بأسرها على نحو ذلك الإجراء الذي اتخذ بحق رعايا عدة دول جرى منعهم من دخول الولايات المتحدة، لأن أفعالاً كهذه لا تشكل المشروع المقاوم والممانع للمشروع الفتنوي الإرهابي، وإنما تعمل على تقوية شوكته وتظهير عدوانيته ليس على الولايات المتحدة وحسب وإنما على كافة بلدان العالم دون استثناء.