
فريد أحمد حسن
مضحكة تلك العبارة التي ملخصها أن أطراف النزاع -أي نزاع- توصلوا بعد أن أنهكتهم الحرب التي لم تبق ولم تذر وأكلت الأخضر واليابس إلى أن الحل العسكري لن ينهي المشكلة، فهذه العبارة توحي وكأنهم انتبهوا للتو بأن الشمس تشرق من المشرق نهاراً وأن القمر يخرج ليلاً! بالتأكيد لا يمكن حسم الأمور عسكرياً إلا في حالات قليلة، ليس بينها حالة سوريا التي توصل المجتمعون أخيراً في أستانا إلى أن حل مشكلتها لا بد أن يكون سياسياً.
ليس بالحرب يمكن حسم الأمور وحل المشكلات، لذا فإن المرء يستغرب من الإقدام على خوضها والاستمرار فيها، ولهذا فإن قولاً مثل هذا الذي أكد عليه المشاركون في ختام محادثات أستانا يعد من الأقوال المثيرة للسخرية والتي تبدو أيضا كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء.
الأمر نفسه ينطبق على ما يجري منذ أكثر من سنة في اليمن الشقيق، حيث يؤكد الواقع وتطور الأحداث أن الحسم العسكري غير ممكن أبداً وأن الضوء سيرى في نهاية النفق فور البدء في التفكير في الحل السياسي. وهذا وذاك يؤكدان على صحة الموقف العماني من الذي يجري في سوريا واليمن وفي غيرهما من الدول التي عانت ولا تزال تعاني من الحروب، فموقف السلطنة من الحروب واضح ولا يمكن أن تقف مع أي طرف مشارك في أي حرب بأي شكل من الأشكال.
عُمان ضد حل المشكلات بين الدول عسكريا، فهي مع الحل السياسي دائما وإن طال، وإن كلف، وقد أثبتت مرارا أن الكثير من المشكلات بين الدول يمكن حلها عبر الحوار فيما بينها، والعالم كله رأى كيف أنها -السلطنة- تمكنت بدبلوماسيتها العريقة من حل كثير من المشكلات بين الدول ومنع تورطها في حروب لا ينتج عنها إلا الدمار.
ست سنوات ذاق السوريون خلالها طعم الموت والدمار والقهر وطعم كل سيء من الأمور والأحوال، ومثلها ذاق العراقيون وبعدهم اليمنيون، والمؤسف أن كل هذا سيستمر في هذه البلاد إن لم يتم الوصول إلى اللحظة التي يتاح فيها للعقل كي يحكم وللحكمة كي تتصرف وتندفع الأطراف ذات العلاقة إلى التوقف عن مواصلة العمل العسكري ومحاولة حل المشكلات سياسياً.
سنوات طويلة ضاعت هباء تحولت خلالها هذه الدول إلى دمار وتحولت أجساد سكانها إلى أشلاء وضاع خلالها الكثير من الحق وسيطر الكثير من الباطل. فما الحرب إلا ما علمتم وذقتم (هكذا قال الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى في معلقته الشهيرة ووصف من خلالها ويلات الحروب وما ينتج عنها من دمار وخسائر لا تحصى)، والأكيد أن كل العرب بل كل العالم يعرف ما نتج عن حروب في العصر الجاهلي مثل داحس والغبراء التي وقعت بين فرعين من قبيلة غطفان هما عبس وذبيان، «حيث تعد هذه الحرب وحرب بني أصفهان وحرب البسوس وحرب الفجار وحرب بعاث من أطول الحروب التي عاشها وخاضها العرب في الجاهلية»، كما تؤكد كتب التاريخ التي يتوفر فيها تفاصيل ما نتج عن كل تلك الحروب والتي من الواضح أنها تتكرر اليوم وإن بأسماء أخرى وأسباب أخرى.
المثير في أمر الحروب هو أنها نتيجة خلاف سياسي وأطماع وتمرد وتعبير عن مواقف أو رد على مواقف وغير هذه من أسباب لا تبعد في التحليل النهائي كثيراً عن الأسباب، التي أشعلت تلك الحرب الجاهلية التي استمرت أربعين عاما، والمثير أكثر هو أننا لم نسمع عن حروب دخلتها الدول العربية منذ بداية الثمانينيات من القرن الفائت من أجل المقدسات، بل إن انشغال هذه الدول بالحروب أنساها واجبها تجاه القدس التي تنتهك يوميا بل لم تعد أخبار فلسطين ومقاومة الاحتلال الصهيوني تتصدر نشرات الأخبار في وسائل الإعلام العربية بل لم تعد تشغل إلا مساحة بسيطة فيها.
عندما تطلق قذيفة على الآخر، البعيد عنك أو القريب منك، فإن من الطبيعي أنه سيرد عليك بقذيفة مماثلة يطلقها في الحال أو بعد حين، ومن الطبيعي أنك ستعتبر رده اعتداء عليك فترد عليه بقذيفة أخرى وتعطيه بالتالي حق الرد عليك، وهكذا يستمر تبادل إطلاق النار بينك وبين الآخر ولا تنتبه إلا بعد أن تدمر الحرب كل مظاهر الحياة التي تجمع بينك وبينه ويفترض أن تستمرا في تقاسمها.
هذه النتيجة وما يماثلها من نتائج سيتم الإعلان عنها بعد حين فيما يخص الحرب الدائرة في اليمن والعراق وليبيا وغيرها من البلاد العربية تؤكد دونما شك الحكمة العمانية والقرار العماني الحاسم فيما يخص موقف السلطنة من الحروب، فالحروب لا يمكن أن تحسم المشكلات وتنهيها ولا تورث إلا الأحقاد وتزرع في النفوس الرغبة في الانتقام والتي هي في صيغتها الأخرى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة مستقبلا، فنهاية أي حرب ليست إلا بداية لحرب تليها وإن بعد حين.
كاتب بحريني