
محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com
في عبوري على الشارع البحري الرابط بين مدينتي مسقط ومطرح كنت أشاغب حروفيات أجمعها بصعوبة لتدل على أن هذا البيت الصغير، بحيطانه البيضاء يضم «متحف غالية للفنون الحديثة» وكانت دعوة مدير المتحف سانحة لأتعرف عن قرب، ومتأخرًا، على مكونات هذه الإطلالة الثقافية على بحر عمان، وبجوار شاهدين لهما دلالاتهما، الجبل، وفوقه القلعة، لتنعكس تلك الدلالات على فضاء الزرقة الممتد سفنًا وموانئ أمام أبطال وغزاة.
لم تكن تسمية «الفنون الحديثة» إلا مدخلًا إلى تاريخ عميق حوته تلك الغرف الصغيرة وهي تستعيد الأمس، وكنت على وشك أن أبدي اعتراضي على التسمية كعادتنا في الانتقاد، لكن عاجلني مستضيفي بأن هناك توجهًا لتغيير التسمية بينما تنتقل هذه إلى موقع آخر في مسقط لتكون رافدًا ثقافيًا آخر.
الإيمان، ذاته، ما أغرى الشيخة مي آل خليفة بتحويل «فريج الشيوخ» إلى متحف يضم عشرات البيوت القديمة في المحرق بالبحرين، كدال على هوية تأخذنا منها المعاصرة، أو تأخذها منا على وجه التحديد، هو الإيمان أيضًا الذي حفّز صاحبة السمو السيدة غالية آل سعيد، الروائية التي نعرفها، لتبني مشروعها بهدوء كهدوء البحر أمام حلمها، وهي تتوسع في أكثر من بيت ليكون حاضنة لشواهد الماضي، تتكدس فوق بعضها على أمل أن تجد رئات أوسع تتنفس عبرها بشكل مستحق.
متجوّلًا، كمن اكتشف كنزًا حقيقيًا يعبر أمامه ولم تحدثه نفسه أن يعبر إليه، ولو مرة واحدة، مع (ادّعاء) أننا معنيون بالثقافة والفنون، وساءلت نفسي، وتساءلت: كيف يمكننا ردم هذه الهوّة بيننا ومشاريعنا الثقافية التي يرعاها أشخاص، آمنوا بفكرة قدرة الآداب والفنون على حفظ تاريخ الأمم وبناء حضاراتها، مسترشدين بالأمس كي لا يضيع في زحام اليوم.. وكي لا يبقى الغد حائرًا بعيدًا عن جذوره؟
في متحف «غالية» شاهدت آلاف القطع الفنية، منها ما اكتسب أهميته من تاريخه العبق بروائح الزمن، حيث حكايات معتقة ترويها تلك المحفوظات، مشغولات أسريّة خاصة لا تبتغي كشف أسرارها، وأفكار معاصرة ولوحات تشكيلية، قديمة وحديثة، وأزياء شكلت ذاكرة غنية لبعض الشخصيات، وأخرى دالة على المكان العماني كأيقونات تقول للزوار إن هذا هو النقش الأصيل على ملابسنا قبل أن تغزونا الماركات، ذلك يوم أن كانت لنا «ماركاتنا» في كل محافظة، شاهدة على هويات متعددة، جميعها شكلت القديم بكل ما فيه من روائح ياسمين ونارنج، وما فيه من شموخ نخيل ونارجيل.. وجبال.
تأخرت كثيرًا في زيارة هذه الأيقونة الجمالية على شاطئ مطرح، وكان الاكتشاف بعمق الدهشة، الحيطان البيضاء التي تترك فسحًا صغيرة للعابر، كأنما يلزم الزائر أن يمضي هكذا نحو دفاتر الأمس، يقرأ ذلك الثراء بتمهل، حكايات روتها زجاجات العطر الفارغة وهي تصطف بكثرة كأنما تقول إنها منحوتة فنية أيضًا، لا تقل عن زجاجة «الآيدين» و»غرشة ماي غريب»، وهناك غرفة مصبح، حيث صوت الغناء يأتي شجيًا، كما رسمت السيدة غالية «مصبح» شخصية في إحدى رواياتها.