
علي ناجي الرعوي
الحملة العسكرية الكبيرة التي بدأت قبل عدة أيام تحت مسمى (الرمح الذهبي) والتي قالت عنها وسائل الإعلام اليمنية التابعة لحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي بأنها تهدف إلى السيطرة على الساحل الجنوبي الغربي من اليمن والممتد من مضيق (باب المندب) جنوبا إلى مدينة المخا شمالا شكلت منعطفا خطيرا في تطورات الحرب الدائرة في هذا البلد منذ مارس 2015 ما يؤهل الوضع في جنوب البحر الأحمر لفرض نفسه كبعد آخر وجديد في هذه الحرب بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق (باب المندب) الذي تنساب منه حركة السفن التجارية المحملة بالنفط الذي يجري استخراجه في الخليج العربي وكذا البضائع التي تتدفق من دول شرق آسيا وإليها وإلى غيرها من مناطق الشرق والغرب ومن شأن هذا التوتر في هذه المنطقة الحساسة وتحويلها إلى منطقة عسكرية أن يتخذ كذريعة للتدخل المباشر والسيطرة على (باب المندب) خصوصا في ظل صراع نفوذ أمريكي - روسي - صيني - أوروبي في عدة مناطق من العالم ما يرشح (باب المندب) للانضمام إلى خارطة هذا الصراع لاسيما وقد أصبح البحر الأحمر بمميزاته وخصائصه الجيوبوليتيكية محور صراعات معقدة بين القوى الإقليمية المتنافسة على الهيمنة والنفوذ في المنطقة.
حتى كتابة هذا المقال يصعب تقييم نجاح الحملة العسكرية (الرمح الذهبي) من عدمها كون المعارك التي تخوضها الحكومة المعترف بها دوليا بإسناد بحري وجوي من قبل دول التحالف العربي ضد قوات (تحالف صنعاء) ما زالت في حالة كر وفر واستمرار هذه المعارك على سواحل اليمن لا يمثل نقطة تحول في مجرى الصراع اليمني وحسب لكنه يعكس أيضا التطور الذي انساق إليه هذا الصراع وهو يقترب من شريان البحر الأحمر والمعروف بمضيق (باب المندب) الذي يربط بين المنظومات الجغرافية الكبرى ويمس مصالح كافة الأطراف الإقليمية والدولية والتي يبدو أنها لن تسمح باستمرار التوتر على مقربة من هذا المضيق الحيوي أو أن يصبح هدفا لقوى محلية أو إقليمية مترسخة أو متصاعدة من شأنها الإخلال بحرية الملاحة العالمية والتحكم بالمنصة اليمنية من جهة البحر الأحمر وباب المندب، ولعل ذلك ما يفسر مسارعة مجلس الأمن لعقد جلسة له لبحث تطورات الصراع في اليمن وذلك لما من شأنه إعادة ضبط إيقاع هذا الصراع قبل أن يصبح صراعا إقليميا ودوليا على مضيق باب المندب والسواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر والتي تتمدد بمساحة 442 كيلومترا أي بنسبة 8,8 % من إجمالي سواحل هذا البحر.
قبل أيام قلائل صدر عن الدار العربية للعلوم -ناشرون- كتاب بعنوان: (صراع على البحر الأحمر من البوابة اليمنية) للدكتورة عايدة العلي سري الدين حمل مقاربة جيوسياسية للمشهد اليمني في ظل متغيرات جديدة تغيرت معها الكثير من المعطيات والحسابات لدول إقليمية ودولية ما تزال تحاول أو تراهن على تغيير قواعد اللعبة وعلاقات القوة سياسيا واستراتيجيا وأمنيا وفي غير نطاق، ومع أن المؤلفة قد استرشدت في توصيفها للصراع في اليمن بتعريف سبق وإن أطلقه الرئيس التركي أردوجان بتأكيده على أن الصراع في اليمن سياسي وليس مذهبيا إلا أن المؤلفة عايدة العلي في ثنايا كتابها ترى أن اليمن يدفع ثمن رهانات قوى إقليمية تتنافس على النفوذ في المنطقة..
وهذا الصراع لا بد وأنه الذي بات يلقي بظلاله الكثيفة على الحالة اليمنية والحرب المستعرة على ساحتها والتي ستكمل عامها الثاني بعد شهرين مع ذلك فإن هناك من يعول كثيرا على الزيارة التي بدأها أمس الأربعاء النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح لطهران حاملا معه رسالة خليجية تمهد لحوار مفتوح بشأن الحرب الباردة الدائرة بين إيران من جهة والدول الخليجية من جهة أخرى وهو الحوار الذي لا شك وأنه ستكون إحدى قضاياه المخاوف الخليجية وبالذات بعد إرسال إيران للعديد من سفنها إلى البحر الأحمر وهي الخطوة التي أسهمت أكثر في زيادة هواجس ومخاوف الخليجيين الذين كان لهم اليد الطولى في الترتيب لعملية (الرمح الذهبي) التي تستهدف في المقام الأول السيطرة على الساحل الجنوبي الغربي من اليمن واستعادة مفاتيح باب المندب من قوات التحالف (الحوثي - صالح) الذي يتهم بالتنسيق مع إيران.
إن البحر الأحمر من مدخله الشمالي في منطقة السويس بمصر إلى مدخله الجنوبي عند باب المندب في اليمن ظل ولا يزال يلعب دورا مركزيا ومحوريا في الصراع في هذه المنطقة الحيوية من العالم كما أنه ظل محط اهتمام القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ ولذلك فإن كل تلك المعطيات سوف تزيد من احتمالات محاولة الفاعلين الدوليين فرض الهيمنة على البحر الأحمر إذا ما استمر احتدام التوتر على سواحله وفشل أي من طرفي الصراع في اليمن من حسم المعركة بسرعة لصالحه.. بيد أن الوجود العالمي الكثيف على شواطئ هذا البحر وجواره سيمثل في حد ذاته المبرر لأي من القوى الكبرى للهيمنة والسيطرة على مضيق باب المندب وعدم ترك هذا الممر مشاعا لصراع القوى الإقليمية التي يسعى كل منها أن يصبح اللاعب الإقليمي أو الشرطي الإقليمي على ذلك المضيق ويظهر مثل هذا الحراك من خلال ما يوصف بالتعاون الخليجي المصري السوداني والذي يندرج في منظومة الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر إلا أن هذا التعاون هو من قد يفقد فاعليته طالما بقي مبرر الحرب في اليمن الأمر الذي تبرز معه الحاجة لمبادرة عربية عاجلة لإنهاء هذه الحرب التي بانتهائها ستنتهي أسباب التوتر التي تضعف سلطة اليمن على ممراته المائية وتجعل تلك الممرات عرضة للسقوط والسيطرة الكاملة من قبل آخرين لا يضعون اعتبارا لمسألة الأمن القومي العربي فمصالحهم هي من تحتل الأولوية بالنسبة لهم.. وتلك حقيقة لا تقبل الجدل أو الإنكار.