
طُرحت الكثير من القضايا والتحديات التي تهم العمل والعمال في السلطنة في الجلسة الأخيرة لمجلس الشورى من قبل الأعضاء، فيما تمكَّن وزير القوى العاملة معالي الشيخ عبدالله بن ناصر البكري من احتواء هذه الأسئلة التي استغرقت لبعض الأعضاء أكثر من ربع ساعة، وكأنه يطرح محاضرة علمية، بينما كان باستطاعتهم اختصار تلك الأسئلة وتقديمها بصورة موجزة في فترة لا تتجاوز الدقائق الخمس. وهذا بحد ذاته يتطلب إدخال بعض أعضاء المجلس في دورات تدريبية تتناول «أهمية وتنظيم الوقت» عسى أن تنفعهم في مثل هذه الأمور والجلسات في المرات القادمة لعدم تكرار الأسئلة.
المهم، هناك الكثير يمكن طرحه في هذا الشأن، وأقصد به الشؤون التي تهم القوى العمالة الوطنية والوافدة في السلطنة، خاصة أن التركيبة الهيكلية للقوى العاملة في المنشآت وشركات القطاع الخاص تتطلب معالجة أوضاع السوق بصورة تؤدي إلى تمكين مزيد من المواطنين من الحصول على الأعمال في هذه المؤسسات، في الوقت الذي تتفاقم فيه أعداد العمانيين نتيجة لمخرجات الجامعات والكليات من داخل وخارج السلطنة.
كلمة معالي الوزير أشارت إلى العديد من الوقائع، منها أن حجم الطلب على القوى العاملة في القطاع الخاص شهد تطورًا كبيرًا بحيث ازدادت أعدادها من 1.224 مليون عامل وعاملة في العام 2010م إلى 1.925 مليون عامل في أغسطس من العام الفائت 2016م، أي بنسبة زيادة قدرها 36.4%، إلا أن عدد القوى العاملة الوافدة هي التي استحوذت على الأعمال بحيث ارتفع عددها من 1.017 مليون عامل في العام 2010 إلى 1.699 مليون عامل في أغسطس العام 2016 بنسبة زيادة قدرها 39%، فيما زاد عدد القوى العاملة الوطنية بأجر من 207 آلاف عامل مواطن ومواطنة إلى 226 ألف مواطن ومواطنة خلال الفترة نفسها بزيادة قدرها 8.4%، أي أن نسبة القوى العاملة الوافدة التي دخلت القطاع الخاص زادت بواقع 30.6% مقارنة مع القوى العمالة الوطنية، التي انضمت إلى هذا القطاع. وهناك العديد من البيانات التي طرحها معاليه والتي تحتاج إلى تحليل ومتابعة نتيجة للتحولات التي يشهدها سوق العمل، في الوقت الذي تبذل فيه الوزارة المعنية جهودها المضنية لتوفير مزيد من فرص التوظيف للمواطنين الباحثين عن العمل. كما تبذل جهودها وتتعاون مع الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في هذا الشأن، لتوفير فرص التدريب المقترن بالتشغيل، وفي الوقت نفسه تلبية متطلبات القطاع الخاص بتوفير احتياجاته من القوى العاملة الوطنية والسماح لمنشآته بالحصول على القوى العاملة الوافدة من دول أخرى. ومما لا شك فيه فهناك الكثير من التحديات التي تواجهها منشآت القطاع الخاص تتعلق بعضها بتعدد السجلات التجارية من جهة، وعدم تفرغ أصحابها من المواطنين لإدارتها من جهة أخرى، الأمر الذي يؤدي إلى تأجير هذه السجلات مقابل مبالغ مالية ضئيلة، وهذا ما يؤثر بصورة غير إيجابية على التنمية والسياسات الوطنية الموجهة لتنمية وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويؤدي بالتالي إلى شيوع ظاهرة التجارة المستترة للقوى العاملة الوافدة في سوق العمل المحلي. كما أن هناك تحديًا آخر وهو قلة الرواتب في معظم المنشآت ومؤسسات القطاع الخاص، الأمر الذي يؤدي إلى تردد دخول القوى العاملة الوطنية إلى سوق العمل، خاصة من حملة الشهادات الذين حصلوا على درجاتهم المهنية والعلمية من المؤسسات التعليمية الأكاديمية داخل وخارج السلطنة. أما التحدي الآخر الذي يؤدي إلى عدم وجود العنصر العماني في مؤسسات وشركات القطاع الخاص فهو مرتبط بظاهرة دوران العمل، أي أن الكثير من العمانيين يتركون المؤسسات وشركات القطاع لأسباب مختلفة منها قلة الراتب أحيانًا أو عدم انسجام الوظيفة مع تطلعاتهم المستقبلية، أو بسبب الضغوط التي تمارس على البعض من قبل الوافدين، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد حالات الاستقالة من العمل، أو تحدث حالات الفصل أو إنهاء خدمات العامل. وهذه الحالات بالتالي تؤدي إلى عدم بقاء العامل العماني في المؤسسات لفترات طويلة، والأمر يحتاج إلى وضع أسس لكي يتمكن المواطن من الاستمرار في عمله في المؤسسات والشركات الأهلية. فالكل يعرف أن المواطن العماني يحنُّ إلى العمل في المؤسسات الحكومية بغض النظر عن طبيعة الوظيفة أو المهنة، وهذا ما أدى بالكثير من العمانيين إلى ترك وظائفهم في مؤسسات وشركات القطاع الخاص للالتحاق بالمؤسسات الحكومية خلال السنوات الفائتة. ولكن نظرًا لتوقف التوظيف في الحكومة فإن القطاع الخاص هو المعني بتشغيل الشباب العماني وفق التشريعات والأسس المنظمة للتشغيل والتوظيف في البلاد. هذه التحديات يجب أن تبقى أمام أعيننا وفي سلم الأولويات في سياساتنا عند مناقشة المواضيع التي تهم تشغيل العمالة الوطنية في المؤسسات التابعة للقطاع الخاص. كما يتطلب الأمر ضرورة القضاء تدريجيًا على موضوع التجارة المستترة التي تؤدي إلى تآكل مدخرات البلاد، وفي الوقت نفسه تنخر الاقتصاد العماني بالتحويلات المالية الكبيرة، ويجب ألا تكون نــــظرتنا لهذه التجارة على أنها تمارس من أصحاب ســــــجلات الدرجة الرابعة فقط، بل هناك العديد من كبريات الشركات التي تمارس هذه التجارة، وهي التي تــــقوم بإفساح مجالات العمل للقوى العاملة الوافدة وإبعاد العنصر العماني من خلال العمل في الخفاء.