
أندريس فيلاسكو
لقد تمكن دونالد ترامب من الوصول للبيت الأبيض بإستحضار الأسوأ في الناخب الأمريكي فهل ستقوم إدارته بجلب الأسوأ – إقتصاديا وسياسيا- على الناس من أمريكا اللاتينية ؟
إن الإشارات الأولية لا تبشر بالخير فلم يحصل منذ دبلوماسية البوارج الحربية قبل قرن من الزمان أن يقوم قائد أمريكي "يانكي " بالتعامل مع البلدان جنوب حدود الولايات المتحدة الأمريكية وسكانها بهذا السوء فهناك الوصف سيء السمعة الذي أطلقه ترامب على المهاجرين المكسيكيين والذين وصفهم بالمغتصبين والقتلة ومع أنه لم يذكر الغواتيماليين والإكوادوريين والكولومبيين بالإسم الإ أنهم لم يشعروا بالطمأنينة .
إن من غير المرجح أن تشارك الولايات المتحدة الأمريكية في إتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي تشارك فيها 12 دولة وعليه فإن السؤال المطروح هو ما إذا كان ترامب سوف يوفي بتعهده بإعادة التفاوض على الأحكام التي تحكم منطقة التجارة الحرة لإمريكا الشمالية أو حتى الإنسحاب من إتفاقية النافتا . إن الإتفاقيات مع أمريكا الوسطى وكولومبيا والتشيلي وبيرو قد تكون في خطر كذلك.
لا أحد يعلم (وربما حتى ترامب نفسه ) ماذا ستفعل الإدارة الجديدة في هذا الخصوص. إن بإمكان الرئيس الأمريكي التخلي عن تلك الإتفاقيات بشكل أحادي ولكن المجلدات الكثيرة المتعلقة بالتشريعات التنفيذية قد تم سنها من قبل الكونجرس حيث لا يمكن تعديلها إلا من خلال تصويت بالكونجرس. إن الإقتصاد الأمريكي (والتجارة) لن يستفيدان من التخلي الشامل بين ليلة وضحاها عن القواعد والأحكام التي تحكم ليس فقط التجارة بالبضائع والخدمات ولكن أيضا الإستثمار والملكية الفكرية والمشتريات الحكومية في طول العالم الغربي وعرضه . ربما لم يعد الحزب الجمهوري حزب التجارة الحرة ولكن من الصعب تخيل أن يقوم كونجرس يتحكم فيه الجمهوريون بالقفز من حافة الهاوية بإختياره .
بالنسبة للمكسيك وحوض الكاريبي فإن التجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية هي أمر حيوي وبالنسبة لبلدان أمريكا الجنوبية والتي تتساوى تجارتها مع آسيا –وخاصة الصين-والإتحاد الأوروبي – مع تجارتها مع الولايات المتحدة الأمريكية أو قد تزيد فإن الإقتصاد الكلي والتمويل هما أهم بكثير.
لقد أدت التوقعات بحصول زيادة في الإنفاق على البنية الاساسية في الولايات المتحدة الإمريكية تحت حكم ترامب لزيادة كبيرة في أسعار بعض البضائع ( إن الغموض العام قد دفع المستثمرين للإستثمار في المعادن مثل الذهب والنحاس والتي تعتبر أصول آمنة ). إذن على المدى القصير فإن مصدري المعادن مثل بيرو والتشيلي سوف تستفيد ولكن هذه الزيادة في الأسعار يمكن أن تكون لفترة قصيرة وخاصة إذا إستمر النمو الصيني في التباطؤ.
لو عمل ترامب نصف ما وعد به أي خفض الضرائب على الإغنياء وزيادة الإنفاق على الدفاع والبنية الاساسية فإن الولايات المتحدة ستتبنى سياسة مالية أكثر توسعية بكثير. إن تعزيز الطلب الكلي الناتج عن ذلك سوف يدعم قيام الإحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة قصيرة المدى بشكل أسرع من ما كان يخطط له ولكن بينما هذا التغيير في المزيج المالي-النقدي قد يكون مفيدا للولايات المتحدة الأمريكية على المدى القصير فإنه سيخلق تحديات جديدة للإقتصادات الناشئة في أمريكا اللاتينية.
إن من شبه المؤكد أن تشديد الوضع الإئتماني وتبني سياسة مالية أكثر مرونة يعني دولار أقوى وهذه أخبار سيئة للحكومات والشركات جنوب الحدود. نعم فالسياسات الأكثر حصافة والأطر التنظيمية الأفضل سمحت بإنتعاش أسواق السندات بالعملة المحلية في السنوات الأخيرة ولكن في أمريكا اللاتينية فإن الكثير من الدين العام وخاصة الدين الخاص ما يزال مقوم بالدولار مما يحد من قدرة البنوك المركزية على السماح للعملات بالهبوط ردا على أسعار فائدة أعلى في الولايات المتحدة الإمريكية .
لقد جادلت هيلين ري من كلية لندن لإدارة الأعمال بإن صدمات السياسة النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية تؤثر على علاوات المخاطر وبإن هذه القناة تعمل دوليا ومحليا . إن هذه القناة "التي تنطوي على المخاطرة " المتعلقة بالسياسة النقدية قوية دوليا لدرجة إنه عندما يخفف الإحتياطي الفيدرالي من سياسته فإن الإئتمان ينمو حول العالم والعكس صحيح وعليه لو كانت هناك أسعار فائدة أعلى في الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب علاوات اعلى ورغبة أقل للمخاطرة من قبل المستثمرين فإن أمريكا اللاتينية قد تجد نفسها في وضع مالي صعب.
هذا يقودنا للسؤال الأعم وهو كيف سيؤثر ترامب على تصورات المخاطر في جميع أنحاء العالم؟
لاري سامرز وغيره من المراقبين الأذكياء قد جادلوا منذ فترة طويلة بإن على الولايات المتحدة الإميركية الإستثمار بشكل أكبر في الطرق والجسور والموانىء وبإنه طبقا لمعدلات الفائدة طويلة الأجل المنخفضة بشكل غير مسبوق فإن مثل تلك الإستثمارات سوف تسدد قيمتها وترامب يضيف لتلك الوصفة تخفيضات هائلة في الضربية على الإغنياء .إن العجز والدين الأكبر بكثير (لو أضفنا إلى ذلك الخطاب الشعبوي وإنعدام الخبرة في السياسة الخارجية ) قد تؤدي بسهولة إلى زيادة العزوف عن المخاطرة وزيادة كبيرة في أسعار الفائدة طويلة المدى التي ستقوض المنطق وراء إستثمارات البنية الاساسية ذاتية التمويل.
لا أحد يريد العيش في عالم أكثر غموضا وخاصة الناس الذين يعيشون في بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية التي ما تزال تعاني من الضعف . إن أوجه الضعف تلك هي سياسية وإقتصادية وفقط عندما أوحت النتائج الإنتخابية الأخيرة في الإرجنتين وبيرو وفنزويلا بالإضافة إلى تحديد فترات رئاسة الرؤساء الحاليين في بوليفيا والإكوادور بإن أمريكا الجنوبية قد وصلت لنهاية دورة من الشعوبية اليسارية فإنه يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية –ومعظم أوروبا – قد بدأت تدخل في دورة من الشعوبية اليمينية .
لا يوجد نقص في الديماغوجيين في أمريكا اللاتينية واللذين من المرجح أن يحاولوا تقليد حملة ترامب الإنتخابية وسيتعلموا الدرس بإن أي تصريح مهما كان بغيضا سوف تتناقله وسائل الأنباء وأن فائدة إستمرار تسليط الأضواء الإعلامية عليهم تفوق التكلفة السياسية لمثل هذه التصريحات البغيضة وكما كان الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا فإن الهجرة –ليس من الدول الإسلامية بل من الدول المجاورة – يمكن أن تعطيهم تبريرا مريحا والقومية يمكن أن تعطي تبريرا مماثلا فهناك تماثل بين قيام النشطاء اليساريين المحليين بالتذمر من التهديدات لتقرير المصير على المستوى الوطني وبين قيام ترامب بالإعتراض على إتفاقية التجارة عبر المحيط الهادىء وغيرها من الإتفاقيات التجارية.
بالنسبة لإمريكا اللاتينية فإن العودة إلى الخطاب السطحي للشعوبية سيكون من التأثيرات الجانبية الأكثر خطورة لإنتصار ترامب . إن المرء يأمل أن لا يتقيد ترامب خلال فترة رئاسته بوعود حملته الإنتخابية كما لم يتقيد بالحقيقة خلال تلك الحملة .
وزير المالية ومرشح اسبق للرئاسة في شيلي، وقام بالتدريس في جامعة هارفارد وجامعة نيويورك.