
مسقط -العمانية
يتركز اشتغال الباحثة العمانية د.عائشة الدرمكية على السيمياء لأنها "مغرمة بالنص الشفاهي ومنهجيات دراسته" والسيميائيات – كما هو معلوم- من الموضوعات المعاصرة التي تشتغل على الثقافة الحية.
تقرّ الدرمكية أن المتخصصين في السيميائيات قلائل، مستدركةً بقولها "إنهم يزدادون بشكل لافت"؛ لأن السيمياء الآن أصبحت متنوعة بتنوع الثقافة نفسها؛ فهناك سيميائيات الثقافة، وسيميائيات التواصل، وسيميائيات الدلالة، وسيميائيات الأهواء، وسيميائيات العمل وغيرها، وكل سيمياء -بحسب الباحثة- "لها أكثر من مدرسة"، بحيث يمكن أن يشتغل الباحثون اشتغالات واسعة ضمن مدرسة بعينها أو ضمن مدارس عدة، مما أنتج مجموعة كبيرة من الدارسين في هذا المجال في الوطن العربي.
وتكشف الدرمكية أنها أفادت من اشتغال المغاربة على السيمياء؛ لأنها درست في المغرب، كما إن أغلب الاشتغالات التي أسست السيمياء على المستوى العربي كانت في المغرب والجزائر.
وتضيف في هذا السياق: "لقد أسست كتابات محمد مفتاح وسعيد بنكراد وغيرهما، للسيميائيات العربية ومجالات تطبيقاتها، ولهذا فإننا نتابع ما يقدمه الباحثون في دول المغرب من تطبيقات ونضيف إليها سواء في عُمان والخليج أو في الوطن العربي بعامة، فهناك أيضاً تجارب مهمة في مصر ولبنان في مجال السيميائيات".
وحول تطبيقات سيميائيات الثقافة في النقد العُماني، توضح الدرمكية أنها كثيرة ومتعددة، وتقول إنها حاولت تطبيقها في مجال النقد الأدبي أو اللسانيات من خلال تناول نصوص سردية أو شعرية، أو شفاهية متعلقة بالحكايات أو الخرافة أو حتى العادات والتقاليد.
وتشير إلى أن هناك مجموعة من الباحثين الذين يشتغلون على السيميائيات، ومنهم إسحاق الخنجري في مجال الشعر، ود. سعود الزدجالي في مجال التصوف، إلى جانب الباحثين الذين اشتغلوا في أطروحاتهم على تطبيقات متنوعة كالنص القرآني والحكايات الشعبية والنص الأدبي.
وحول الدافع وراء اختيارها سيميائيات التواصل الإشاري المصاحب للكلام موضوعاً لأطروحة الدكتوراه، تقول الدرمكية إن هذا الموضوع من الموضوعات التي تنطلق من النص الشفاهي باعتبار أن العلامات الإشارية في الأصل معتمِدة على التواصل الحي المباشر، وهو من الموضوعات التي أفادتها بشكل كبير في دراسة النص الشفاهي في المجتمع العماني بعد ذلك، فمن خلال هذه الدراسة تعرفت على أصناف العلامات الإشارية وأنواعها، وقيمتها المعرفية والثقافية في مجتمعات عدة سواء في التخاطب العام أو في مجال التخاطب الرسمي في مجالات التربية والتدريب أو المجال العسكري (الدفاع المدني، الطيران، الشرطة وغيرها)، بالإضافة إلى أنها قد اختارت مدونة (صحيح مسلم) مجالاً للتطبيق، وهذا أمر أفادها بشكل كبير لأن الحديث النبوي من النصوص التي تحتفي بالعلامات الإشارية ربما بقدر يفوق احتفاءها بالعلامات اللسانية التي يمكن أن تُنقل بالمعنى.
أما أهم من خلصت إليه هذه المحاولة البحثية، فهو "أهمية العلامات الإشارية في تأويل النص الديني"، وهو ما ترى الدرمكية أن المفسرين لم ينتبهوا إليه ولم يولوه أهمية.
وقد اشتغلت الباحثة في مجال تطبيق المنهج السيميائي لتحليل الأدب الشعبي، وهي تقول في ذلك: "تدوين الأدب الشفاهي ليس سوى محاولة لحفظه من الضياع والنسيان بموت الرواة أو ضعف ذاكرتهم، ما يمنح فرصاً للباحثين في مجالاتهم المتعددة للعمل البحثي المعمق سواء في الأنثروبولوجيا أو اللسانيات أو الأدب أو الاجتماع أو غيرها من المجالات". لكنها ترى أنه يصعب حصر التداخلات والتشابكات التي طرأت على النص زمانياً؛ لأنه لا تتوفر لدينا مدونات متعددة للنص الشفاهي على المستوى التاريخي، فالتدوين لم يتم التنبه إليه على المستوى العربي سوى منذ فترات متأخرة، وهذا يعني أن الحديث يجري عن فترة زمنية واحدة، وعلى الرغم من أننا في الغالب سنجد مجموعة من الروايات للنص الواحد، إلّا أن هذه الروايات "لا تكشف لنا التطور التاريخي الذي طرأ على النص".
وتوضح د.عائشة الدرمكية أن الجهد الكبير الذي قام به المؤرخون والكتّاب في العصور السابقة حينما جمعوا الأدب والتاريخ وغيرهما من المجالات بما نسميه اليوم "مصادر الكتب"، قد أسس لمرحلة تاريخية مهمة من تاريخ النص الشفاهي، إلا أن هذا انقطع بعد ذلك لفترات طويلة وعدنا إليه بعد قرون عدة، مما يشكل أزمة حقيقية في الرصد التاريخي للنص الشفاهي وتطوره.
وتلفت إلى أن التدوين لا ينفي فعل الإضافة أو الحذف الذي يمارسه الرواة وهم يتناقلون الحكايات على الألسن، كما إن التدوين لا يضر بالنص الشفاهي، ذلك لأن الراوي بحسب ما ترى، "مبدع وشاهد وفاعل في تطور النص"، ولأنه يضيف إليه ويطوره فقد "وصل النص إلينا وبقي على قيد الحياة"، ولهذا يتوجب علينا عندما ندون النص الشفاهي أن نحفظ حقوق الملكية للراوي لأن هذا النص جزء من ذاكرته أولاً، ثم جزء من إبداعه ثانياً، كما إن علينا أن ندوّن الروايات المتعددة للنص، وإن كثرت هذه الروايات فهذا يدل على شعبيتها وتداولها. بالإضافة إلى أن التدوين لا يعني امتناع تداول النص شفاهياً، وإنما يعني أن النص المدون هو نسخة من النسخ المتعددة له شفاهياً.
وتؤكد الدرمكية أن السلطنة تتمتع بتنوع كبير في الحكايات الشعبية، وتقول في ذلك: " سلطنة عمان بوصفها بلداً له تاريخه الممتد عبر الأزمنة، فإنه من الطبيعي أن نجد التنوع الكبير الذي يكشف هذا الامتداد الحضاري سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الفلسفة المجتمعية التي تقوم على مقومات متعددة دينية واجتماعية، بالإضافة إلى التنوع الجغرافي الكبير الذي تتمتع به السلطنة بين السهل والبحر والجبال والصحراء، فهي بيئات غنية وخصبة للخيال الحكائي، ولهذا نجد أن الحكايات تتنوع بتنوع تلك البيئات".
أما عن أهمية تلك الحكايات ووظائفها، فإنها "كثيرة ومتعددة بتعددها وتنوعها من نواحٍ اجتماعية وفكرية" بحسب د.عائشة الدرمكية التي تشير إلى أن الوظيفة الرئيسية للحكاية هي الإمتاع بوصفها نصاً أدبياً ولا تخرج في ذلك عن وظيفة الأدب عامة، أما الوظائف الأخرى فقد افترضها الباحثون بغرض التصنيف أو بغرض ترسيخ أهمية الحكاية في المجتمعات، كالحديث عن الوظيفة الأخلاقية أو الاجتماعية للنص الأدبي.
شاركت الدرمكية إلى جانب باحثين ومهتمين في مجال التراث الثقافي في السلطنة، في تأسيس مشروع جمع التاريخ المروي الذي تتبناه وزارة التراث والثقافة، بالإضافة إلى مشاركتها في مشروعات أخرى متعلقة في هذا الشأن في مؤسسات عدة، وهي مشاركات لا تخفي الدرمكي اعتزازها بها؛ لأنها السبب في تشكيل جزء مهم من تجربتها في مجال التراث الثقافي وتشكيل الأساس الذي انطلقتْ منه بالتعاون مع الباحثين الذين أفادت منهم كثيراً.
وهي تتحدث عن هذه التجربة بقولها: "ما زال أمامي مشوار كبير ومتسع للتعلم في هذا المجال؛ لأن التراث الثقافي متعدد ومتنوع، وكل تجربة في مجال من مجالاته تعدّ جديدة وتحتاج إلى جهد بحثي كبير يتطلب القراءة والجمع والتصنيف، بل إن الجمع والتصنيف يختلف باختلاف المجال وإن كانت الأساسيات واحدة، فكل مجال له خصوصيته وطريقته في التعامل".
وتكمن أهمية التوثيق بحسب الدرمكية، في كونه طريقة من طرائق الحفظ لهذا التراث من الضياع من ناحية، وتقديم مادة أصيلة للباحثين بمختلف تخصصاتهم، "فمع توفر المادة يمكن للباحثين القيام ببحوث في تلك النصوص دونما الحاجة إلى النزول إلى الميدان الذي يتطلب مدة زمنية إضافية وتكلفة مادية عالية".
وترى د.عائشة الدرمكية أنه ليس هناك تداخل بين الحكاية الشعبية بما تشتمل عليه من خرافة أحياناً، وبين الأسطورة، "فالحكايات الشعبية نصوص تتمحور حول القضايا الاجتماعية كالعلاقات الأسرية وغيرها، بينما تتركز الخرافة حول حكايات الجن والسحر والمخلوقات السحرية العجيبة، أما الأسطورة فتختلف لأنها تنشأ ضمن نطاق معتقدي يوجد فيه آلهة بالضرورة"، ولهذا فإن الأسطورة في الخيال العُماني مثلاً بقيت حاضرة في المعتقدات الشعبية المتعلقة بزيارة الأولياء والتبرك بالمساجد أو الأشجار أو غيرها، إذ غابت الحكاية وبقي السلوك الدالّ عليها.
وتتوقف الدرمكية عند تجربة رئاستها للنادي الثقافي الذي قدم العديد من الإنجازات في مناطق السلطنة المختلفة، وتقول في ذلك: "الحديث عن هذه التجربة له أبعاد مختلفة على المستويين الشخصي والعملي، فهذه تجربة أفادتني بشكل كبير جداً من حيث الخروج إلى المجتمع من زاوية إدارية ثقافية عامة، ذلك لأن النادي الثقافي في عُمان نادٍ له تاريخه على المستوى المدني الثقافي، وهو بذلك مؤسس للمجتمع المدني الثقافي في عُمان".
وتؤكد أن تجربة رئاسة النادي الثقافي تجربة غنية معرفياً، وتضيف: "النادي يعمل على المستوى الثقافي العام بوصفه بيت خبرة في تنظيم الفعاليات الثقافية أدباً وفكراً واقتصاداً وسياسة وتاريخا وغيرها من المجالات ذات البعد الثقافي الذي يخاطب المتخصص النخبوي أو غير المتخصص. ولأنه كذلك فهذا يتطلب بالضرورة مني ومن زملائي في مجلس الإدارة الاطلاع المستمر على مجريات الثقافة وتطورها في مجالات متعددة قد تكون في كثير من الأحيان بعيدة عن تخصصاتنا البحثية، مما يعطينا المجال الواسع للقراءات المعرفية والاطلاع على الجديد أولاً بأول، كما يمنحنا الفرصة لتكوين مجموعة من العلاقات الإنسانية والثقافية الفكرية من ناحية أخرى سواء مع الزملاء المتخصصين في المجالات المتعددة الذين غالباً ما نستعين بهم في كثير من الفعاليات، أو مع المؤسسات والقطاعات المهنية المتعددة التي نتعاون معها ثقافياً أو لوجستياً لتنفيذ الفعاليات، وهذا في حد ذاته مكسب مهم على المستوى الإنساني والاجتماعي ناهيك عن الفائدة الثقافية التي يمكن أن نستفيدها من هذا التعاون المتنوع والمثري".
وحول أنشطة النادي الثقافي الدورية، توضح د. عائشة الدرمكية أن النادي يعمل على المستوى الثقافي العام، وهو بهذا يواجه تحدياً مهماً بين ثلاث فئات من الجمهور، المتخصص النخبوي الذي يطالب بفعاليات تناسبه وتناسب تخصصه، والمبدع الذي يمتلك الموهبة ويحتاج إلى الدعم في تنمية تلك الموهبة وتطويرها بمختلف المراحل العمرية، والجمهور العام المتذوق الذي يطمح في فعاليات عامة تمتعه وترضي تطلعاته. ولهذا فإن النادي غالباً ما يطرح فعاليات متنوعة من حيث الموضوع ومن حيث المستوى العلمي بين المتخصص والعام.
وتكشف الدرمكية أنهم في مرحلة تقييم فعاليات النادي الثقافي، والعمل على طرح مختلف في عام 2017 يتماشى مع نتائج التقييم، مشددة على أنهم من خلال تلك الفعاليات حاولوا الوصول إلى المجتمع بأطيافه المتعددة والمتنوعة، بل والخروج من أروقة النادي إلى الناس في المحافظات والأماكن العامة في الأسواق التجارية والحدائق العامة وغيرها.
وتختم الدرمكي الحوار بإشارتها إلى أنها تعمل حالياً لإكمال ما تبقى من مشروع "الجمع المعجمي للهجات السلطنة"، وهو المشروع الذي بدأته مع فريق علمي وميداني منذ سنتين بدعم من وزارة التراث والثقافة في السلطنة، وهو الآن في مرحلة المراجعة النهائية والإخراج.