كيف ترصد عُمان الزلازل وتقيّم مخاطرها على المدن والمنشآت؟

بلادنا الأحد ٠١/نوفمبر/٢٠٢٦ ١٧:٣٦ م
كيف ترصد عُمان الزلازل وتقيّم مخاطرها على المدن والمنشآت؟
صورة أرشيفية لـ"تأثيرات الزلازل "

مسقط - الشبيبة

تعمل منظومتي مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس اللتان تضمان 126 محطة على تعزيز وتكامل الشبكة العُمانية لرصد الزلازل مع شبكة عُمان للحركة الأرضية القوية، وتستخدم أجهزة متطورة تبث المعلومات الزلزالية على مدار الساعة وبشكل آني إلى المركز، من أهمها الأجهزة عريضة النطاق، لتسجيل الموجات وتحليل الزلازل وتحديد مواقعها ومقاديرها وأعماقها وتساعد على دراسة نطاق واسع من الترددات والأحداث المحلية والإقليمية والبعيدة.

وقال الدكتور عيسى الحسين مدير مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن رؤية المركز تتمثل في تطوير قدرته على تقديم معلومات علمية سريعة وموثوقة، وتوسيع استخدامها في حماية المجتمع والبنية الأساسية، وتعزيز استمرارية تشغيل المحطات والاتصالات والطاقة الاحتياطية، وتطوير معالجة البيانات وأرشفتها، وتحسين المنتجات التي توضح توزيع الاهتزازات وتأثيراتها المحتملة.

وأضاف أن المركز يولي اهتماما في استكمال ترقية بعض مواقع الرصد، وتوسيع الدراسات التفصيلية للمدن والمناطق الاقتصادية والمنشآت الحيوية، وتعزيز التدريب واستقطاب الكفاءات في علوم الزلازل والهندسة الزلزالية وتحليل البيانات.

وذكر أنه "فيما يتعلق بالمرافق الجديدة، فإن تصور المركز لتطويرها يرتبط باحتياجات واضحة، تشمل مساحات ملائمة للتحليل والتشغيل والتدريب وصيانة الأجهزة وحفظ البيانات، ضمن خطط جامعة السلطان قابوس والإمكانات والاعتمادات المتاحة، مشيرًا إلى أن تفاصيل أي مشروع محدد ستعلن عند اعتمادها، لينعكس هذا التوسع المؤسسي والتقني على جودة الخدمة العلمية وسرعة تقديمها واستدامتها.

وأكد مدير مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس أن "سلطنة عُمان تتمتع بمستوى نشاط زلزالي أقل نسبيًّا من الدول الواقعة مباشرة على حدود الصفائح النشطة، لكن ذلك لا يعني انعدام الخطر، فموقعها قريب من مصادر زلزالية إقليمية مهمة، أبرزها نطاق زاغروس ومنطقة اندساس مكران قبالة السواحل الجنوبية لإيران وباكستان، إضافة إلى المصادر المحلية.

ووضح أن مستوى الخطورة يختلف بين مناطق سلطنة عُمان تبعًا لقربها من المصادر الزلزالية وطبيعة التربة والمنشآت"، مبينا أنه فيما يتعلق بموضوع الزلازل البحرية "فينبغي التمييز بين تأثير الاهتزازات الأرضية واحتمال توليد موجات تسونامي، فليس كل زلزال بحري يولّد تسونامي، إذ يرتبط ذلك بمقداره وعمقه، وآلية حدوثه والإزاحة التي يسببها لقاع البحر، وتمثل منطقة مكران مصدراً مهماً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم أخطار الزلازل والتسونامي على سواحل بحر عُمان".

وقال إن هذا الأمر "يستدعي استمرار الرصد وتحديث دراسات الخطورة والسيناريوهات المحتملة، وتبادل البيانات، ودعم التخطيط الساحلي وخطط الإخلاء والتوعية، لافتًا إلى أن دور المركز توفير البيانات والتحليل العلمي بالتكامل مع منظومة الإنذار المبكر لدى هيئة الطيران المدني والجهات المختصة بالاستجابة، حيث تعتمد فاعلية المنظومة على وصول المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب وتحويلها إلى إجراء واضح.

وأضاف أن المركز الذي تأسس رسميًّا وبدأ مهامه الوطنية للرصد الزلزالي عام 2001 يعمل حاليا "على تعزيز الانتقال من تسجيل ورصد الزلزال إلى تقييم تأثيرها ومخاطرها ودعم التخطيط الحضري، وهو امتداد لعمل بحثي سابق في تقييم الخطورة الزلزالية والتمنطق الزلزالي الدقيق وإعداد المعلومات اللازمة للتصميم المقاوم للزلازل حيث يمثل تحديد موقع الزلزال ومقداره وعمقه الخطوة الأولى، ثم تأتي أسئلة أكثر ارتباطًا بحماية المجتمع: أين كانت الاهتزازات أشد؟ وكيف استجابت التربة؟ وما المنشآت والخدمات التي قد تتأثر؟، وتتيح شبكة الحركة الأرضية القوية قياس الاهتزازات في مواقع مختلفة ودعم إنتاج خرائطها خلال دقائق، وعند ربط هذه المعلومات ببيانات المباني والسكان والمرافق الحيوية، نستطيع الانتقال إلى تقدير العواقب المحتملة، وتحديد أولويات الاستجابة والوقاية، والهدف هو أن تصبح المعرفة الزلزالية مدخلًا عمليًّا لاختيار المواقع والتصميم الهندسي والتخطيط العمراني وحماية الاستثمارات".

وذكر الدكتور عيسى الحسين مدير مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس أن هناك 26 محطة ذات نطاق عريض تمثل الشبكة العُمانية لرصد الزلازل وتوجد في جميع محافظات ويتركز توزيعها في شمال سلطنة عُمان، بينما توجد محطات أخرى في وسط عمان وجنوبها من بينها محطات في جزيرة مصيرة ومحوت والدقم وهيما وست محطات في ظفار.

وبين أن المحطات وضعت في مواقع هادئة وغير حضرية وبعيدة عن الضجيج السكاني منها محمية السرين وبدبد وبيسيا، وهي تسجل الموجات القصيرة القريبة من المحطة القادمة نتيجة زلزال قريب من المكان، والموجات المتوسطة إضافة إلى الموجات الطويلة التي تصل من الزلازل البعيدة جدا التي تحدث في مواقع من بينها إندونيسيا والمحيط الهادي وأمريكا وروسيا والصين ومناطق أخرى في الكرة الأرضية حيث يمكن تسجيله بعد بضعة دقائق من وقوعه في تلك المناطق، وكل محطة من تلك المحطات تضم جهاز رصد واحد ذو تردد عريض لقياس قوة وموقع الزلزال.

وأوضح أن المركز أضاف جهازين إلى بعض من تلك المحطات ويسعى خلال المرحلة المقبلة إلى إضافة جهازين إلى الـ 13 محطة المتبقية، مما يمكن عند إتمام هذا التوجه إلى قياس مصادر الزلازل ومواقعها وقوتها وبعدها وقياس الاهتزاز الفعلي بكل منطقة، فيما تضم شبكة عُمان للحركة الأرضية القوية 100 محطة تم توزيعها في المناطق الحضرية ومن بينها 5 محطات في مدينة صور و22 محطة في مدن محافظة مسقط وتحدد مقدار الاهتزاز والتسارع الأرضي بالموقع عند المحطة.

وأشار إلى أن أهمية محطات الحركة القوية تكمن في قياس التسارع الأرضي الذي يُهم المهندسين عند دراسة الأحمال الزلزالية واستجابة المنشآت، ومن أولويات الاستفادة منها ربط التسجيلات بخصائص التربة في مواقع المحطات، وتحسين خرائط الاهتزاز، وتطوير قاعدة بيانات تدعم الدراسات الهندسية والاستجابة للطوارئ.

وحول مستجدات مشروع "M-RAFEEQ" الذي موّلته المنح الداخلية بجامعة السلطان قابوس، واتخذ ولاية السيب مجالًا رئيسًا للتطبيق ويجمع بين دراسة الخطورة الزلزالية وظروف الموقع وقابلية المباني للتضرر وتوزيع السكان والمرافق الحيوية والآثار الاقتصادية المحتملة، ضمن إطار متكامل لتقييم المخاطر الحضرية، أوضح الدكتور عيسى الحسين أن "من أبرز رسائله أن تشابه مستوى الاهتزاز المتوقع بين منطقتين لا يعني بالضرورة تشابه الخسائر فخصائص المباني وكثافة السكان وأهمية المرافق ومستوى الاستعداد تؤثر في النتائج، أما التوسع وإمكان نقله إلى المدن الجديدة والمناطق الاقتصادية، فالمنهجية قابلة للتكييف مع تلك المدن والمناطق الصناعية واللوجستية والسياحية، شريطة توفير بيانات محلية مناسبة، ويمكن أن تفيد في تخطيط مشروعات مثل مدينة السلطان هيثم والمدينة المستدامة في يتي، والخطوة التطبيقية المقترحة هي التعاون مع الجهات المعنية لتحديث البيانات واختبار المنهجية في مواقع إضافية، وصولًا إلى دعم قرارات التخطيط والاستثمار".

وقال إن "السجل العلمي بمركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس يجمع بين دراسة الزلازل ومصادرها والتطبيقات المرتبطة بسلامة المجتمع والمنشآت، وتشمل اتجاهاته الأساسية إعداد الكتالوجات الزلزالية وتحسين تحديد مواقع الزلازل ودراسة التراكيب التكتونية وتقييم الخطورة الزلزالية بالطرق الاحتمالية والحتمية وتوصيف التربة واستجابة المواقع وتقييم أخطار التسونامي على السواحل العُمانية وتعكس الأبحاث المنشورة للمركز هذا التنوع، بما في ذلك دراسات مسقط والوسطى ودبا وغيرها، ويتجه العمل البحثي أيضًا إلى دمج نتائج الخطورة مع قابلية المباني للتضرر وتوزيع السكان والمرافق، لتقييم المخاطر والخسائر المحتملة بصورة أشمل، وبالنسبة إلينا، فإن قيمة البحث تتجسد في جودة مخرجاته وقدرته على الإجابة عن احتياجات وطنية محددة، ودعم التخطيط والتصميم وإدارة الطوارئ، إلى جانب نشره العلمي".

وأشار الى أن "هناك أيضا كرسي اليونسكو لدراسات الزلازل ومخاطر التسونامي في جامعة السلطان قابوس الذي أنشئ في عام2021، ليعزز الربط بين البحث العلمي وبناء القدرات وخدمة المجتمع، وتتمثل رسالته في تطوير المعرفة بهذه الأخطار، وتوسيع التعاون بين الباحثين والمؤسسات محلياً ودولياً، وتبادل الخبرات التي تساعد على الحد من آثارها، ومن خلاله نركز على دعم البحوث المشتركة وتدريب الباحثين والمختصين ونقل أدوات التحليل والتقييم إلى الكفاءات الوطنية، كما نولي أهمية لتحويل النتائج العلمية إلى رسائل مفهومة للجهات التنفيذية والمجتمع، تتناول طبيعة الأخطار والاستعداد لها والتصرف السليم عند وقوعها، ويرى المركز أن التعاون الدولي يحقق أكبر أثر عندما يبني قدرة محلية مستدامة، أي عندما يمتلك الباحث والمختص العُماني المعرفة والأدوات اللازمة لتطوير الحلول وتطبيقها وفق ظروف سلطنة عُمان واحتياجاتها".

من جانب آخر قال الدكتور أحمد ضيف جمعة عبدالله رئيس قسم البحوث والدراسات والتوعية بالمركز إن الأبحاث التي يجريها مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس تركز حاليا على المدن والمباني فيها والمنشآت الحيوية، وإدخال تقييم المخاطر مبكرًا في التخطيط للمشروعات الجديدة.

وأضاف أن المركز أنهى تقييم الخطورة الزلزالية لمدينة صور بمحافظة جنوب الشرقية، حيث تمت دراسة 68 موقعا في المدينة، بهدف تمييز المناطق الصخرية من تلك ذات التربة الرخوة وحساب الخطورة الزلزالية والحركة الأرضية المتوقعة عند كل موقع، ومن ثم تقديم البيانات اللازمة لتصميم وبناء منشآت مقاومة للزلازل وتصنيف المواقع أيها الأولى بالاهتمام، حيث أن التأثير قد يختلف من موقع لآخر داخل المدينة حتى لو تعرضا لتأثير نفس الزلزال بسبب اختلاف التربة، وقابلية المباني للتضرر وكثافة السكان والمنشآت.

وأوضح أن "أثناء حدوث الزلزال يمكن للتربة الهشة أن تضخم شدة اهتزاز المنشآت وجعلها تستمر لفترة أطول، وبذلك تتفاقم الأضرار للمنشآت المشيدة عليها عن تلك المقامة على طبقات صخرية، لذلك فقد أصبح لا يقتصر الأمر على التقييم الصحيح للخطورة الزلزالية عند صخور القاعدة وحسب، بل يستلزم الأمر كذلك تقييم تأثير التربة وإضافة تضخيمها للموجات الزلزالية عند صخور القاعدة، ونظرا لإمكانية اختلاف طبيعة التربة من موقع لآخر خلال مسافة قصيرة فلابد من تقييم تأثيرها على الحركة الأرضية في مواقع متقاربة حتى يمكن رسم خرائط التغيير الجغرافي لقيم الحركات الأرضية وتحديد المواقع التي يتوقع أن يحدث بها تدميرا أشد من سواها".

وأكد الدكتور أحمد ضيف أن "الدراسة على مدينة صور أخذت في الاعتبار كافة مصادر الزلازل التي قد تؤثر على المدينة التي تشمل صدوع مكران، وزاغروس، وجبال عُمان، وصدع أوين، وكذلك الصدوع القريبة من المدينة مثل صدعي قلهات ومصيرة، وتم الخروج بخرائط زلزالية تفصيلية لكل المنطقة محل الدراسة تعبر عن القوة الزلزالية المتوقعة عند كل موقع وكل تردد، والتي يجب الأخذ بها عند وضع مواصفات البناء للمنشآت الجديدة بالمدينة وكذلك تحديد المنشآت المقامة والتي قد تحتاج إلى تدعيم لتصبح مقاومة لقوى الزلازل.

ويعد مركز رصد الزلازل في جامعة السلطان قابوس من أقدم المراكز البحثية التي أنشئت في الجامعة، حيث بدأ العمل بإنشائه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

كما يعد المركز من أهم المراكز البحثية والمتخصص الوحيد في سلطنة عمان برصد وبحوث الزلازل، ويقوم بمراقبة ورصد الزلازل التي تحدث داخل وخارج سلطنة عُمان والإبلاغ عنها ونشر معطياتها للجهات المختصة.