
بقلم : الدكتور صادق بن حسن اللواتي
حين تستخدم الدولة العلمانية لتبرير تقييد الحريات الدينية، فإن القضية تتجاوز منع الحجاب أو فرض قواعد للزي المدرسي؛ إنها تطرح سؤالًا جوهريًا عن طبيعة العلمانية نفسها: هل هي إطار دستوري لتنظيم العلاقة بين الدولة والدين وضمان حرية الاعتقاد، أم أنها أيديولوجيا سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع وفق تصورات السلطة ومصالحها ؟
إن الإشكال في التجربة الأذربيجانية لا يكمن في مبدأ فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة، بل في تحويل هذا المبدأ إلى ذريعة للتدخل في خيارات الأفراد ومظاهر تدينهم. فحياد الدولة لا يعني فرض الحياد العقائدي على المجتمع، كما أن استقلال المؤسسات العامة عن المرجعيات الدينية لا يمنح السلطة حق إقصاء الدين من المجال الاجتماعي أو الانتقاص من حقوق المتدينين. والفرق كبير بين دولة لا تفرض دينًا على مواطنيها، ودولة تفرض عليهم الابتعاد عن مظاهر دينهم.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر جوهرية: منذ متى كانت العلمانية تحل محل مفسّر للنص الديني؟ وبأي حق تتحول إلى مرجعية تحدد للمؤمن ما يجوز له أن يفهمه من دينه، أو كيف ينبغي أن يمارس شعائره، أو ما إذا كان مظهره الديني مقبولًا في المجال العام أم لا ؟ إن العلمانية، في أصل وظيفتها الدستورية، ليست علمًا لتفسير النصوص الدينية، ولا عقيدة بديلة عنها، ولا سلطة معرفية تملك الحكم على صحة التدين أو بطلانه؛ وإنما هي، في أحد أهم معانيها السياسية، إطار لتنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية، وضمان عدم احتكار أي مرجعية لسلطة الدولة أو فرض معتقداتها على الجميع. وعندما تتجاوز هذا الحد لتصبح أداة لضبط الضمير الديني وتحديد أشكال ظهوره، فإنها تنتقل من حماية الحرية إلى مصادرتها.
لا يعني ذلك أن كل تنظيم مدرسي أو مؤسسي للملابس يمثل انتهاكًا للحرية؛ فقد تفرض المؤسسات قواعد محددة لأسباب موضوعية تتصل بالسلامة أو طبيعة العمل أو مقتضيات التعليم. لكن هذه القواعد ينبغي أن تستند إلى ضرورة حقيقية، وأن تكون متناسبة وغير تمييزية، وألا تتحول إلى وسيلة لحرمان الطالبة من التعليم بسبب ارتدائها الحجاب. فالمؤسسة التعليمية التي يفترض أن توسع آفاق المعرفة وتكفل تكافؤ الفرص لا يجوز أن تجعل التخلي عن مظهر ديني شرطًا للالتحاق بها، ما لم توجد ضرورة مشروعة ومثبتة تبرر القيد.
وتكشف هذه المسألة عن مأزق أوسع في تجارب الدول التي تبنت العلمانية: ففشل التطبيق لا يعود دائمًا إلى سوء التنفيذ وحده، بل يرتبط أحيانًا بالتناقض بين خطاب الحياد والممارسة السياسية التي توظف هذا الخطاب لخدمة أجندات السلطة. فالعلمانية ليست منظومة فكرية متكاملة تقدم إجابات نهائية عن الأخلاق والعدالة والهوية ومعنى الحياة، وليست نموذجًا سياسيًا واحدًا صالحًا للتطبيق بالطريقة نفسها في كل المجتمعات. إنها مفهوم تاريخي وسياسي تعددت نماذجه وتطبيقاته، وقد ارتبطت بعض تجاربها بصراعات الدولة مع المؤسسات الدينية، أو بمشروعات بناء الهوية الوطنية، أو بإعادة تشكيل المجال العام وفق اعتبارات سياسية واجتماعية مخصوصة.
لذلك لا يكفي أن تعلن الدولة نفسها علمانية حتى تصبح ممارساتها عادلة أو حرياتها مضمونة. فقد تتبنى السلطة خطاب العلمانية، ثم تستخدمه لتقييد فئة اجتماعية أو إضعاف هوية دينية أو قومية أو تبرير سياسات الإقصاء. وفي مثل هذه الحالات لا تعود العلمانية ضمانة للحرية، بل تتحول إلى غطاء أيديولوجي لسياسات تتناقض مع المبدأ الذي يُفترض أنها تحميه. ومع ذلك، لا يصح اختزال جميع التجارب العلمانية في هذا المسار؛ فالتجارب تختلف، والمشكلة الأساسية تكمن في تحويل أي تصور سياسي إلى أداة للهيمنة بدلًا من إخضاعه لمعايير الحقوق والمساءلة.
وفي الحالة الأذربيجانية، إذا كانت القيود المفروضة على الحجاب ترتبط أيضًا بمخاوف السلطة من تنامي النزعات القومية أو التأثيرات السياسية الخارجية، فإن هذه الاعتبارات لا تكفي وحدها لتبرير تقييد الحرية الدينية. فالمظهر الديني لا يشكل دليلًا على الولاء السياسي لدولة أخرى، ولا يجوز التعامل مع المتدين بوصفه موضع شبهة لمجرد انتمائه الديني. وإذا وُجد نشاط غير قانوني، فينبغي التعامل معه وفق أدلة واضحة وقواعد عامة، لا عبر الاشتباه الجماعي أو استهداف الرموز الدينية.
ومن الناحية القانونية، تحمي المادة الثامنة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار الدين، ولا تسمح بتقييد مظاهر هذه الحرية إلا وفق شروط محددة، منها أن يكون القيد مقررًا بقانون وضروريًا لتحقيق غرض مشروع. كما تحمي المادة الثالثة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في التعليم. ومن ثم، فإن حرمان الطالبات من التعليم بسبب الحجاب يثير أسئلة جدية بشأن التناسب وعدم التمييز، ولا يمكن تبريره بمجرد الاستناد إلى وصف الدولة بأنها علمانية.
كذلك، لا ينبغي قراءة النصوص الدستورية الأذربيجانية المتعلقة بعلمانية الدولة وفصل الدين عن مؤسساتها بمعزل عن النصوص التي تقرر المساواة وحرية الضمير وحقوق الإنسان. فالمواد الدستورية المتعلقة بعلمانية الدولة والتعليم العلماني لا تلغي ما تقرره المادة الخامسة والعشرون بشأن المساواة، ولا المادة الثامنة والأربعون بشأن حرية الضمير، ولا الهدف الدستوري المتمثل في حماية حقوق الإنسان وحرياته. إن تفسير الدستور على نحو يجعل مبدأً واحدًا يبتلع بقية الحقوق يفرغ الضمانات الدستورية من مضمونها.
ولا يعني نقد العلمانية الإقصائية الدفاع عن دولة دينية تفرض معتقدًا بعينه على المواطنين؛ فالدولة الدينية قد تقع بدورها في الاستبداد والإقصاء. المعيار الحقيقي ليس الاسم الذي تمنحه الدولة لنظامها، بل في قدرتها على حماية كرامة الإنسان، وضمان المساواة، وصون حرية الاعتقاد، وإخضاع السلطة للقانون.
إن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه السلطة الأذربيجانية ليس ما إذا كان الحجاب يتوافق مع تصورها الخاص للعلمانية، بل ما إذا كانت تملك مبررًا قانونيًا ضروريًا ومتناسبًا لحرمان الطالبة المحجبة من حقها في التعليم. فأي علمانية هذه التي تحمي حياد المدرسة على حساب حق الطالبة؟ وأي حداثة تلك التي تجعل التخلي عن مظهر ديني ثمنًا لممارسة حق أساسي؟
إن العلمانية التي تستحق الدفاع عنها هي التي تمنع الدولة من فرض العقيدة، لا التي تمنحها سلطة فرض اللادينية على المجتمع؛ والتي تحمي التعدد، لا التي تعيد تشكيله بالقوة. أما حين تتحول إلى أداة سياسية للإقصاء، فإنها تفقد مبررها التحرري، وتصبح أيديولوجيا سلطوية تستخدم لغة الحياد لتبرير الهيمنة. عندئذ لا يكون السؤال عن مقدار علمانية الدولة، بل عن مقدار الحرية والعدالة اللتين تسمح بهما لمواطنيها.