
بقلم : زاهر ناصر حمد الكويلي
تمثل الأراضي الزراعية ثروة وطنية وموردًا مهمًا لدعم الأمن الغذائي وتعزيز التنمية الاقتصادية في مختلف المحافظات، ولذلك فإن استقرار أصحاب هذه الأراضي وتمكينهم من استثمارها بصورة أفضل يعد من العوامل المهمة لاستدامة النشاط الزراعي وتطويره.
ومن هذا المنطلق، تتجدد مطالبة عدد من أصحاب الأراضي الزراعية الممنوحة بنظام الانتفاع بالنظر في إمكانية تمليكهم هذه الأراضي، بعد سنوات من العمل والاستثمار وتحمل التكاليف المالية المرتبطة بها وقد تحولت العديد من أراضي الانتفاع الزراعي إلى مشروعات قائمة على جهود أصحابها وأموالهم، حيث أنفق المنتفعون مبالغ كبيرة في تهيئة الأراضي واستصلاحها، وإنشاء شبكات الري، وزراعة الأشجار والمحاصيل، وإقامة المرافق والخدمات الضرورية لخدمة النشاط الزراعي.
كما يتحملون في الوقت نفسه إيجارات سنوية ورسومًا والتزامات مالية مرتبطة بالانتفاع، الأمر الذي يجعل تكلفة الاستثمار الزراعي مرتفعة ويضع أعباء إضافية على أصحاب هذه المشروعات.ومع مرور السنوات، يصبح من الطبيعي أن يتطلع المنتفع إلى قدر أكبر من الاستقرار في علاقته بالأرض التي استثمر فيها أمواله وجهده، خصوصًا عندما تكون الأرض قد تحولت إلى مشروع زراعي منتج ومصدر دخل لأسرة أو أكثر. فالاستثمار الزراعي يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، ولا يمكن أن يحقق كامل إمكاناته في ظل شعور المستثمر بأن علاقته بالأرض تظل مرتبطة بنظام انتفاع قد تحدد مدته وشروطه طبيعة القرارات الاستثمارية التي يستطيع اتخاذها.
ومن بين المطالب التي يطرحها أصحاب هذه الأراضي أيضًا إتاحة مرونة أكبر في استغلالها بما يتوافق مع طبيعتها الزراعية، إذ إن بعض القيود الحالية على الأنشطة المرتبطة بالأراضي الزراعية قد تحد من قدرة المنتفع على تطوير مشروعه والاستفادة من إمكاناته.
ومن ذلك المطالبة بالسماح، وفق ضوابط واضحة، ببعض الأنشطة والخدمات المساندة للنشاط الزراعي، مثل إنشاء استراحات مرتبطة بالمزرعة أو مرافق لخدمة العاملين والزوار أو أنشطة سياحية ريفية وزراعية، متى كانت لا تتعارض مع طبيعة الأرض أو الاشتراطات البيئية والتخطيطية.
إن تمليك الأراضي الزراعية للمنتفعين، وفق ضوابط ومعايير تضعها الجهات المختصة، يمكن أن يمثل حافزًا قويًا لمزيد من الاستثمار في القطاع الزراعي. فالمالك سيكون أكثر استعدادًا لضخ أموال إضافية في تطوير الأرض وزيادة الإنتاج وإنشاء مشروعات طويلة الأجل، لأنه سيشعر بأن استثماره مرتبط بأصل مستقر يمكن تطويره والاستفادة منه على المدى البعيد، مع الالتزام بالطبع باستخدام الأرض للأغراض التي خصصت من أجلها والمحافظة على الرقعة الزراعية.كما أن التمليك يمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء المالية والإدارية التي يتحملها أصحاب الأراضي، ويوفر لهم قدرًا أكبر من الاستقرار، ويشجع على تطوير المزارع وتحويلها من مجرد أراضٍ زراعية إلى مشروعات إنتاجية متكاملة. وهذا بدوره يمكن أن ينعكس على زيادة الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل، وتوفير فرص عمل، وتعزيز مساهمة المحافظات في تحقيق أهداف التنمية الزراعية والأمن الغذائي.
وفي المقابل، فإن أي توجه نحو التمليك لا يعني بالضرورة التخلي عن التنظيم والرقابة، بل يمكن أن يتم وفق آلية واضحة تضمن المحافظة على الغرض الزراعي للأرض، وتمنع المضاربة بها أو تحويلها إلى استخدامات تتعارض مع تخصيصها. ويمكن وضع شروط للتمليك، من بينها ثبوت الجدية في استثمار الأرض، وإثبات إقامة النشاط الزراعي، والالتزام بالاشتراطات البيئية والتخطيطية، وعدم الإضرار بالمصلحة العامة.كما يمكن للجهات المختصة دراسة حالات الأراضي الزراعية المنتفعة كل حالة على حدة، ووضع تصنيف واضح للأراضي التي استثمر أصحابها فيها فعليًا، والأراضي التي لم يتم استغلالها، بحيث تكون الأولوية في أي برنامج للتمليك للمنتفعين الجادين الذين أثبتوا التزامهم واستثمروا أموالهم في تطوير الأرض والمحافظة عليها.
إن أصحاب الأراضي الزراعية بالانتفاع لا يطالبون فقط بتغيير الصفة القانونية للأرض، وإنما ينظرون إلى التمليك باعتباره وسيلة لتحقيق الاستقرار وتشجيع الاستثمار الزراعي طويل الأمد. فكلما شعر المستثمر الزراعي بالأمان والاستقرار، كان أكثر قدرة واستعدادًا على التوسع والتطوير، وكلما كثرت القيود والأعباء المالية والإدارية، تراجعت قدرته على ضخ استثمارات جديدة.ومن هنا، فإن دراسة مطلب الانتقال من الانتفاع إلى التمليك تستحق أن تكون ضمن الملفات التي تحظى بالنقاش والدراسة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تنمية القطاع الزراعي وتعزيز الإنتاج المحلي ودعم أصحاب المشروعات الزراعية في مختلف المحافظات. فالهدف في النهاية ليس تمليك الأرض فحسب، وإنما تحويلها إلى أصل منتج ومستدام يخدم صاحبه والمجتمع والاقتصاد الوطني.
إن تمكين أصحاب الأراضي الزراعية من الاستقرار في أراضيهم، مع الحفاظ على الضوابط التي تضمن استمرار استخدامها للأغراض الزراعية، قد يكون خطوة مهمة نحو تنشيط الاستثمار الزراعي، وتشجيع المواطنين على التوسع في الإنتاج، وتنمية المحافظات، وتحقيق قيمة اقتصادية أكبر من الأراضي الزراعية.
ولذلك فإن صوت أصحاب أراضي الانتفاع يستحق الدراسة، ومطلبهم بالانتقال من الانتفاع إلى التمليك يمكن أن يكون مدخلًا لإيجاد حلول متوازنة تجمع بين حماية الأراضي الزراعية، وتشجيع الاستثمار، وتحقيق الاستقرار لأصحابها.