سالم الحبسي يكتب للشبيبة: بالحبر السري.. جدة لا تنام.. البحر صار أخضر

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٧/أكتوبر/٢٠٢٦ ١٣:٠٧ م
سالم الحبسي يكتب للشبيبة: بالحبر السري.. جدة لا تنام.. البحر صار أخضر
سالم الحبسي

بقلم : سالم الحبسي 

الليلة ختامها مسك.. و«جدة وبحر» لم تكن أغنية النهاية، بل كانت موسيقى مدينة كاملة وهي تحتفل بلقبٍ عاد إلى السعودية بعد 22 عاماً من الانتظار.

في جدة، حيث الأزقة القديمة تحفظ حكايات البحر، وحيث البلد التاريخية تعرف كيف تصنع من الحجر ذاكرة، جاءت ليلة «خليجي 27» لتضيف إلى المدينة حكاية جديدة: المدينة التي استقبلت الخليج، أغلقت أبواب البطولة بالكأس السعودية.

لم يكن المشهد مجرد نهائي كرة قدم. كان لوحة سعودية مكتملة الألوان: السعودية بطلة، همام الهمامي أفضل لاعب، محمد العويس أفضل حارس، وفراس البريكان هداف البطولة بثلاثة أهداف. الكأس سعودية، والجوائز سعودية، والمرمى السعودي لم يعرف طريقاً إلى الهزيمة ولا إلى الكرة داخل شباكه طوال البطولة. 

لكن سر البطولة لم يكن في الأرقام وحدها؛ كان في الهدوء الذي لعبت به السعودية عندما كان الجميع ينتظر منها الصخب.

في النهائي، احتاج الأخضر إلى 13 دقيقة فقط ليكتب القصة. الدقيقة 11 حملت تسديدة همام الهمامي التي غيّر مسارها دفاع الإمارات، ثم جاءت الدقيقة 13 لتكشف عن أجمل ما في كرة القدم: قراءة المساحة قبل أن تُفتح. تمريرة ناصر الدوسري وصلت إلى فراس البريكان، فكان المهاجم هناك، وأنهى الهجمة بهدوء قاتل. هدفان في دقيقتين، لكنهما في الحقيقة كانا نتاج تحضير ووعي وسرعة قرار.

من منظور تكتيكي، لم تفز السعودية لأنها اندفعت أكثر، بل لأنها عرفت متى تهاجم ومتى تغلق المباراة. بعد التقدم، لم يتحول الفريق إلى فوضى هجومية؛ حافظ على المسافات، أغلق العمق، وترك الإمارات تضطر إلى البحث عن الحل من مناطق أقل خطورة. وحين احتاج المنتخب إلى حارسه، ظهر محمد العويس كما يظهر الحارس الكبير في النهائيات: ليس بكثرة الاستعراض، بل في اللحظة التي يمكن أن تغيّر المباراة.

الإمارات حاولت العودة. تسديدة في القائم، فرص تصدى لها العويس، وضغط امتد لفترات من الشوط الثاني، بل وصلت الكرة إلى العارضة في الدقيقة 88. لكن المنتخب السعودي امتلك أهم ما تحتاجه المباريات النهائية: إدارة النتيجة.

وهنا تظهر بصمة المدرب اليوناني جورجيوس دونيس؛ فالفريق لم يلعب النهائي بعقلية الفريق الذي يريد إثبات نفسه، بل بعقلية فريق يعرف أنه يملك أفضلية ويعرف كيف يحافظ عليها. وهذا هو الفارق بين الحماس والحنكة.

أما الإمارات، فعاشت الدقيقتين اللتين صنعتا الكابوس. الهدف الأول أربك البناء، والثاني جعل المهمة مضاعفة. ثم جاءت ركلة الجزاء التي احتسبت لها قبل أن يلغيها حكم المباراة بعد العودة إلى تقنية الفيديو، لتزداد صعوبة العودة. 

وفي المدرجات، كانت القصة الأخرى.

62,827 مشجعاً ملأوا ملعب الإنماء، في واحدة من أكبر ليالي البطولة جماهيرياً. لم تكن الجماهير خلف المنتخب فقط؛ كانت جزءاً من الخطة. الصوت الأخضر كان يضغط، يشجع، يهدئ، ثم ينفجر مع كل تدخل وكل هجمة. 

وحضور الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل والقيادات الرياضية والكروية في ليلة التتويج أعطى المشهد بعداً إضافياً؛ فالمنتخب لم يكن معزولاً عن بيئته الرياضية، بل كان في قلب منظومة كاملة تقف خلفه وتعيش تفاصيله.

ثم جاءت لحظة رفع الكأس.

هنا انتهت كل الحسابات.

السعودية حققت لقبها الخليجي الرابع، بعد أعوام التتويج السابقة، وعادت إلى منصة الخليج بعد غياب طويل.

في تلك اللحظة، لم تعد جدة عروس البحر الأحمر فقط.

كانت جدة بحراً أخضر.

من الكورنيش إلى البلد، من الأزقة التي عبرتها أجيال إلى المدرجات التي صنعتها الأجيال الجديدة، بدت المدينة وكأنها تستعيد إحدى حكاياتها القديمة: جدة حين تفرح، لا تعرف كيف تحتفل بنصف قلب.

هذه ليلة تُكتب في دفتر المدينة بجوار البحر، وبجوار باب مكة، وبجوار حكايات جدة القديمة.

ليلة قال فيها الأخضر: جئنا بهدوء.. لعبنا بحنكة.. وغادرنا بالكأس.

وفي جدة، بعد أن هدأ صوت المباراة، بقي السؤال الأجمل:

هل ما زالت عروس البحر الأحمر؟

ربما الليلة فقط..

هي البحر الأخضر.

*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي