«المشاهدات مجرد أرقام».. صناع محتوى عُمانيون يكشفون ما يصنع النجاح الحقيقي

تكنولوجيا الأربعاء ٠٧/أكتوبر/٢٠٢٦ ٠٩:٢٧ ص
«المشاهدات مجرد أرقام».. صناع محتوى عُمانيون يكشفون ما يصنع النجاح الحقيقي
مسؤوليةٌ تتجاوز المشاهدة إلى بناء الوعي والثقة

العمانية - الشبيبة

 في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، أصبحت صناعة المحتوى من الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي، ونقل المعرفة، وتعزيز التواصل بين الأفراد والمؤسسات، ولم تعد تقتصر على الترفيه أو قضاء الوقت. ومع اتساع نطاق انتشار المحتوى الرقمي وسرعة وصوله إلى مختلف فئات المجتمع، برزت أهمية الوعي بالمسؤولية التي تقع على عاتق صانع المحتوى، وما يترتب على ما يقدمه من تأثير في أفكار الجمهور واتجاهاته وسلوكياته.

ولا تقتصر مسؤولية صانع المحتوى على جودة الصورة أو جاذبية الطرح، وإنما تمتد إلى مضمون الرسالة التي يقدمها، ومدى موثوقية المعلومات التي ينقلها، والقيمة التي يضيفها إلى المتلقي، إلى جانب قدرته على توظيف منصاته في خدمة المجتمع، وتعزيز الوعي، والحفاظ على الهوية والثقافة، وطرح القضايا التي تمس حياة الناس بصورة مسؤولة وهادفة.

وفي هذا السياق، تتعدد تجارب صناع المحتوى في سلطنة عُمان، إلا أنها تلتقي عند أهمية المصداقية، والوعي بالتأثير، وتقديم محتوى يحمل قيمة حقيقية للجمهور. وبين المحتوى السياحي والمغامرات، وصناعة الأفلام القصيرة، وتوثيق الثقافة والعادات والتقاليد العُمانية، تبرز نماذج تؤكد أن نجاح صانع المحتوى لا يقاس بعدد المشاهدات وحدها، وإنما بقدرته على بناء الثقة، وإيصال رسالة مؤثرة، وترك أثر إيجابي ومستدام لدى الجمهور.

ويرى ناصر بن سعيد السناني، صانع محتوى ومرشد في الترويج السياحي، أن مسؤولية صانع المحتوى اليوم أصبحت أكبر بكثير من السابق، باعتبار أن المحتوى الرقمي أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وأن أي معلومة يتم نشرها يمكن أن تصل إلى أعداد كبيرة من الناس خلال دقائق، وقد تؤثر في أفكارهم وقراراتهم وسلوكياتهم. كما أن مسؤولية صانع المحتوى لا تتوقف عند تصوير مقطع مرئي أو نشر صورة، وإنما تبدأ من الرسالة التي يسعى إلى إيصالها للجمهور، موضحًا أن من أهم المسؤوليات التي يحرص عليها التأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، والاعتماد على مصادر موثوقة، خصوصًا عندما يتعلق المحتوى بموضوعات حساسة أو معلومات قد يكون لها تأثير مباشر على المتابعين.

وأضاف أن الوضوح مع الجمهور يمثل جانبًا مهمًا من المصداقية، من خلال التمييز بين التجربة أو الرأي الشخصي وبين المعلومات والحقائق المؤكدة، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في المحتوى السياحي، الذي قد يعتمد عليه المتابع في اتخاذ قرار يتعلق بوجهة سياحية أو موقع معين أو تجربة يرغب في خوضها.

ويرى السناني أن صناعة المحتوى لا ينبغي أن تقوم على البحث عن المشاهدات فقط، رغم أهميتها باعتبارها أحد مؤشرات نجاح المحتوى، إلا أن تحويلها إلى الهدف الوحيد قد يدفع بعض صناع المحتوى إلى المبالغة أو تقديم معلومات غير دقيقة بهدف جذب الانتباه وتحقيق انتشار أكبر. مشيرًا إلى أن القيمة الحقيقية للمحتوى تتمثل في أن يخرج المتابع من الفيديو أو المنشور بشيء جديد، سواء كان معلومة أو تجربة أو فكرة أو حتى مصدرًا للإلهام، مؤكدًا أن صانع المحتوى الناجح هو من يستطيع الجمع بين الجاذبية والفائدة والمصداقية، بحيث يقدم محتوى ممتعًا وموثوقًا في الوقت نفسه. ويختم السناني حديثه بالتأكيد على أن المشاهدات قد تكون مجرد أرقام، بينما تمثل الثقة والمصداقية الأساس لبناء علاقة حقيقية ومستدامة مع الجمهور، معتبرًا أن النجاح الحقيقي في صناعة المحتوى لا يقاس بحجم الوصول فقط، وإنما بمدى القيمة التي يتركها المحتوى لدى المتلقي والثقة التي يبنيها صانع المحتوى مع جمهوره. كما أن الوعي بأهمية صناعة المحتوى لا يقتصر على إنتاج المواد الإعلامية فحسب، بل يشمل إدراك المسؤولية المرتبطة بتقديم محتوى موثوق ومفيد يلبي احتياجات الجمهور ويحقق قيمة حقيقية.

في الإطار ذاته، يرى عماد بن أحمد الرجيبي، مغامر وصانع محتوى رقمي، أن بناء جسور التواصل الحقيقية مع الجمهور يبدأ من الثقة والمصداقية، مؤكدًا أن صدق الحديث وصدق التجربة من أقوى الوسائل التي تساعد على انتشار المحتوى الهادف والوصول إلى الجمهور بصورة طبيعية ومستدامة.

ويشير الرجيبي إلى أنه يتبع أسلوبًا يقوم على إشراك الجمهور في مختلف تفاصيل المغامرة، بدءًا من الطريق والأغراض والميزانية، مرورًا بالمحطات المهمة خلال الرحلة، وصولًا إلى مشاركة التجارب والمواقف التي يعيشها على أرض الواقع. كما يحرص على الحديث عن المنتجات التي يرى أنها قد تسهم في تحسين جودة المغامرة من خلال تجربتها واستخدامها بشكل فعلي ومتكرر، دون تحويل المحتوى إلى ترويج مباشر ومتكرر لها.

ويؤكد أن هذا الأسلوب يسهم في تعزيز الثقة وبناء علاقة مستمرة مع الجمهور على مدى سنوات، مبينًا أن الجمهور نفسه يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في بناء العلامة التجارية لصانع المحتوى، عندما تقوم العلاقة على المصداقية والشفافية، وليس على الجانب الإعلاني فقط.

ويضيف أن اختيار الموضوعات التي يقدمها ينطلق غالبًا من واقع المجتمع المحيط، "العُماني"، والتجارب الحقيقية والواقعية له، من خلال تناول القضايا والمواقف التي يعيشها الناس، خصوصًا خلال المواسم السياحية، إلى جانب تقديم الإرشادات المتعلقة بالترحال والاستكشاف واتباع اشتراطات السلامة العامة، في ظل ما تشهده بعض المواسم من حوادث ووفيات مرتبطة بالممارسات غير الآمنة أثناء الرحلات والاستكشاف.

ويرى الرجيبي أن دور صانع المحتوى لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المتعة البصرية، وإنما يمكن الجمع بين الترفيه والتوعية، من خلال تعريف الجمهور بجمال التضاريس والطبيعة في سلطنة عُمان، وفي الوقت ذاته تقديم المعلومات والإرشادات التي تساعد على الاستمتاع بهذه المقومات بطريقة آمنة ومسؤولة.

ويقول الرجيبي إنه اتجه خلال الفترة الأخيرة نحو صناعة المحتوى الوثائقي، باعتباره مساحة تجمع بين المتعة البصرية والمعلومة، موضحًا أن تركيزه ينصب على إيصال المعرفة بطريقة مؤثرة دون الاعتماد على الأغاني والموسيقى؛ بهدف الوصول إلى مختلف الفئات العمرية، ومن بينها الفئات التي تقل أعمارها عن 18 عامًا. ويرى أن قوة المحتوى يجب أن تنبع من قوة الفكرة والطرح والتجربة، وليس من الاعتماد على الموسيقى أو المقاطع الرائجة "الترند" لجذب المشاهدات.

ويؤكد كذلك على أهمية العفوية والتلقائية في صناعة المحتوى، معتبرًا أن ظهور صانع المحتوى على طبيعته ونقل التجربة كما هي، دون تهويل أو مبالغة أو تركيز مفرط على الجانب المادي، يساعد على بناء علاقة أكثر صدقًا مع الجمهور، خاصة أن المتابعين أصبحوا أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين المحتوى العفوي والمحتوى المصطنع. ويختم الرجيبي بالتأكيد على أن فقدان الثقة يبدأ تدريجيًا عندما يشعر الجمهور بأن المحتوى تحول من تجربة حقيقية إلى مساحة للإعلانات والترويج فقط، مشيرًا إلى أن الجمهور اليوم أصبح أكثر إدراكًا لما يشاهده، ولذلك فإن المحافظة على المصداقية والعفوية وتقديم محتوى يحمل قيمة حقيقية تظل من أهم الركائز لاستمرار صانع المحتوى ونجاحه على المدى الطويل.

ومن هنا، فإن الوعي بصناعة المحتوى لا يقتصر على إنتاج المواد الإعلامية، وإنما يمتد إلى إدراك المسؤولية المرتبطة بالرسائل التي يقدمها صانع المحتوى وتأثيرها في الجمهور.

من جانبها، ترى جهانة بنت هاشل الهنائية، صانعة محتوى، أن صانع المحتوى يؤدي دورًا مهمًا في تشكيل الأفكار والانطباعات حول مختلف القضايا والمجتمعات، وأن مسؤوليته لا تقتصر على إنتاج المادة الإعلامية ونشرها، بل تمتد إلى إدراك حجم تأثيرها، خصوصًا مع وصول المحتوى الرقمي إلى شرائح واسعة من المجتمع خلال وقت قصير.

وتؤكد أن هذه المسؤولية تفرض على صانع المحتوى تقديم محتوى موثوق ومفيد يحقق قيمة حقيقية للجمهور، بعيدًا عن إثارة الجدل أو السعي وراء الأرقام العالية والمحتويات الرائجة التي قد لا تتوافق مع القيم والمبادئ المجتمعية.

وترى جهانة أن المسؤولية تكون أكبر لدى صانع المحتوى الذي يتناول الثقافة والمجتمع، باعتباره يسهم بصورة مباشرة في نقل صورة عن هوية المجتمع وتراثه وعاداته وتفاصيل حياته اليومية، موضحة أن المحتوى الثقافي يمكن أن يكون وسيلة للحفاظ على الموروث وتعريف الأجيال الجديدة به بطريقة تتناسب مع اهتماماتهم ووسائل التواصل التي يستخدمونها.

ومن هذا المنطلق، تقدم جهانة عبر منصة "خطوة" محتوى يهتم بثقافة العيشة والمعيشة في سلطنة عُمان، من خلال توثيق تفاصيل الحياة اليومية وأساليب المعيشة والعادات والتقاليد التي تحمل قيمة ثقافية وتاريخية، والعمل على تقديمها بأسلوب قريب من المشاهد والجيل الجديد، بما يساعد على التعرف على الثقافة العُمانية وفهمها والاعتزاز بها، إلى جانب إبراز التنوع الثقافي والاجتماعي بين مختلف محافظات وولايات سلطنة عُمان.

وتشير إلى أن توثيق هذه التفاصيل لا يمثل مجرد نقل لمظاهر الحياة اليومية، وإنما يسهم في حفظ جوانب من الذاكرة المجتمعية التي قد تتغير مع مرور الوقت، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للتعرف على كيفية حياة المجتمع العُماني وتفاصيلها، بما يعزز الارتباط بالهوية الوطنية والثقافية.

وفي ظل سرعة انتشار المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي، تؤكد جهانة أن مسؤولية صانع المحتوى في التحقق من المعلومات أصبحت أكثر أهمية، خصوصًا عند تناول الموضوعات التاريخية والثقافية التي قد تنتشر بشأنها معلومات غير دقيقة أو روايات متداولة دون مصادر واضحة. ولذلك، ترى أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة، وعدم الاعتماد على المعلومات المتناقلة عبر المنصات الرقمية دون تحقق، إلى جانب التمييز بوضوح بين المعلومة الموثقة والرأي والتجربة الشخصية.

كما ترى أن مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة لا تكون بالضرورة من خلال إعادة نشرها والرد عليها بصورة مباشرة، وإنما يمكن لصانع المحتوى أن يسهم في الحد منها عبر تقديم المعلومة الصحيحة والموثقة بأسلوب واضح ومبسط، وعدم المساهمة في انتشار الشائعة لمجرد تحقيق المشاهدات أو جذب الانتباه.

وتؤكد أن المحتوى الثقافي تحديدًا يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية؛ لأن الخطأ في نقل معلومة تاريخية أو ثقافية قد يؤدي إلى ترسيخ معلومات غير صحيحة لدى الجمهور، بينما يسهم المحتوى الموثوق في بناء وعي أكثر دقة واحترامًا للهوية والموروث.

وتختم جهانة حديثها بالتأكيد على أن صناعة المحتوى مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وأن المحتوى الجيد ليس هو الأكثر انتشارًا فحسب، وإنما ذلك الذي يترك أثرًا إيجابيًا لدى الجمهور، وينشر المعرفة، ويحافظ على الهوية والثقافة العُمانية، ويسهم في تعزيز الوعي والمسؤولية لدى أفراد المجتمع.