علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: الزيارات السامية.. شراكات تتجاوز الجغرافيا

مقالات رأي و تحليلات السبت ١٩/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٤:٢٠ م
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: الزيارات السامية.. شراكات تتجاوز الجغرافيا
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني

تكتسب الزيارتان الساميتان لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى كل من جمهورية بوتسوانا وجمهورية أنجولا الصديقتين أهمية كبيرة؛ إذ تندرجان في إطار نهج سلطنة عُمان الهادف إلى توطيد علاقاتها مع الدول الشقيقة والصديقة، وربطها بالمصالح الاقتصادية والاستثمارية التي ترتقي بها إلى مستويات أوسع من التعاون، وتسهم في تحقيق المزيد من التقدم والتطور والازدهار.

فالعلاقات السياسية تزداد رسوخًا عندما تستند إلى مصالح اقتصادية متبادلة ومشروعات مشتركة، وتفتح أمام القطاعين العام والخاص فرصًا حقيقية لتحويل ما تتوصل إليه القيادات والحكومات من تفاهمات واتفاقيات إلى استثمارات ومشروعات منتجة، تستفيد من المقومات والإمكانات المتاحة لدى الأطراف، عبر آليات تنفيذية تسهم في تسريع وتيرة التعاون.

ولا شك أن الجهود السياسية والاقتصادية التي يقودها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تسهم في تهيئة الأرضية المناسبة للاستثمارات والشراكات، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية على مختلف الأصعدة؛ بما يعزز مكانة سلطنة عُمان، ويفتح أمام مؤسساتها وشركاتها الوطنية والقطاع الخاص مجالات أوسع للعمل الاقتصادي المشترك.

كما تستند هذه الزيارات إلى الإرث الحضاري العُماني في القارة الأفريقية، وإلى التواصل الإنساني والتجاري والثقافي مع شعوبها عبر قرون طويلة. وإحياء هذه العلاقات اليوم بأدوات العصر ومتطلبات الاقتصاد الحديث يوفر منطلقات قوية للاستفادة من الثقة المتراكمة والقيم التي ارتبط بها الحضور العُماني، وفي مقدمتها الانفتاح والتسامح والتبادل القائم على الاحترام والمصالح المشتركة.

وتمثل زيارة بوتسوانا محطة مهمة في تطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة، خصوصًا أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين انطلقت في أكتوبر 2025، لكنها شهدت خلال فترة وجيزة وتيرة متسارعة، مدفوعة بالزيارات رفيعة المستوى والرغبة المشتركة في الانتقال من مرحلة التعارف إلى مرحلة المشروعات والشراكات العملية.

وقد جاءت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التسع الموقعة خلال الزيارة لتضع إطارًا مؤسسيًا واسعًا للتعاون، شمل التعاون العام، والمشاورات السياسية، وإلغاء متطلبات التأشيرة لحملة جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة، والخدمات الجوية، وترويج الاستثمار، والأمن الدوائي والتعاون التنظيمي والتطوير المشترك للتنقيب عن المعادن، وأمن الطاقة وتنميتها إقليميًا، والتعاون بين غرفة تجارة وصناعة عُمان و"بزنس بوتسوانا".

أما زيارة جلالته إلى جمهورية أنجولا، فتفتح آفاقًا واسعة مع شريك اقتصادي مهم يمتلك موقعًا استراتيجيًا على المحيط الأطلسي، وموارد كبيرة في النفط والغاز والألماس والمعادن، إلى جانب الأراضي الزراعية والموارد المائية والسمكية. ويبلغ عدد سكان أنجولا نحو 39 مليون نسمة، فيما بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 122.17 مليار دولار في عام 2025، أي ما يقارب 47 مليار ريال عُماني؛ الأمر الذي يعكس حجم السوق والإمكانات المتاحة للشراكة والاستثمار.

وتتمتع سلطنة عُمان في المقابل بموقع استراتيجي على المحيط الهندي، وبموانئ ومناطق اقتصادية وخبرات تراكمية في الطاقة والتعدين واللوجستيات والاستثمار؛ ومن هنا تبرز الميزة النسبية لبناء شراكة تربط الواجهة الأطلسية لأفريقيا بأسواق الخليج وآسيا والمحيط الهندي، وتفتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.

وفي القطاع المالي، جاء الإعلان عن تأسيس البنك الأفريقي العُماني في لواندا في أبريل 2026 ليشكّل قناة مهمة لتمويل التجارة والاستثمار، وربط الشركات والأسواق بين أفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تمويل التجارة وإدارة الخزينة والحلول المصرفية للشركات والاستثمارات العابرة للحدود.

وتوفر الموانئ مساحة واسعة للتعاون من خلال إمكانية الربط بين موانئ الدقم وصحار وصلالة والموانئ الأنجولية في لواندا ولوبيتو. ويكتسب ميناء لوبيتو أهمية خاصة لارتباطه بممر تجاري يصل إلى المناطق الغنية بالنحاس والكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، بما يتيح فرصًا أمام الشركات العُمانية العاملة في النقل والموانئ والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية.

ورغم أن التبادل التجاري بين سلطنة عُمان وأنجولا بلغ نحو 3.2 مليون ريال عُماني في عام 2023، بنمو قدره 145.1% مقارنة بعام 2022، فإن هذه القيمة تظل دون مستوى الإمكانات الحقيقية للبلدين، ما يعني أن المجال ما يزال واسعًا لمضاعفة التجارة وزيادة الصادرات العُمانية، والدخول في مشروعات الزراعة والتصنيع الغذائي والطاقة والتعدين والموانئ والسياحة.

وهنا يأتي دور القطاع الخاص، الذي ينبغي أن يتحرك للاستفادة من الاهتمام السامي والاتفاقيات الموقعة، من خلال إقامة شراكات مباشرة، وتأسيس مشروعات مشتركة، واستكشاف الأسواق، وعدم انتظار الفرص حتى تأتي إليه، إذ بات الطريق مُعبدا ومهيًّأ. فالقطاع الخاص هو الأقدر على تحويل الاتفاقيات إلى تجارة ومصانع وخدمات ووظائف، متى ما توافرت له المعلومات وقنوات التمويل ونقاط الاتصال والدعم المؤسسي.

إن المكسب الأكبر من زيارتي بوتسوانا وأنجولا لا يتمثل في عدد الاتفاقيات وحده، وإنما في اتساع البوصلة الاقتصادية العُمانية، وتنويع الأسواق والشركاء، وإيجاد نقاط ارتكاز جديدة لسلطنة عُمان في جنوب القارة الأفريقية ووسطها، والاستفادة من التكامل بين ما تمتلكه هذه الدول من موارد وأسواق، وما تملكه سلطنة عُمان من موقع وخبرات ومؤسسات استثمارية وموانئ وشركات وطنية قادرة ومؤهلة.

وبالطبع، تؤكد الزيارات السامية أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ يقود دبلوماسية عُمانية تجمع بين بناء السلام وصناعة المصالح، وتحول الثقة السياسية إلى شراكات اقتصادية على أرض الواقع، وتفتح أمام سلطنة عُمان والقطاع الخاص أبوابًا جديدة للنمو والعمل والتقدم والازدهار.

ونأمل أن تحقق هذه الزيارات الغاية المرجوة منها، وأن تسهم في ترسيخ علاقات سلطنة عُمان مع الدول الشقيقة والصديقة، وتفتح الباب واسعًا أمام المزيد من الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، استنادًا إلى ما تحظى به من اهتمام من قيادة البلاد.