
بقلم : عادل الحمداني – كاتب وإعلامي
من حق المرء أن يحلم. ومن حقه أن يتطلع إلى رؤية أفكاره وقد تحولت إلى واقع يضيف قيمة إلى المكان الذي ينتمي إليه، سواء في مجتمعه أو في بيئة عمله. ومن حقه أيضًا أن يبحث عن السبل التي تجعل ذلك الحلم ممكنًا.
في حياة كل واحد منا حلم أو أكثر، يرافقه كظلٍّ دائم، ويظل يحاول، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، أن يحوله من فكرة في داخله إلى حقيقة يراها أمامه. ولأن الحلم الذي يحمله الإنسان وحده قد يبقى حلمًا، بينما يمكن للحلم الذي يحمله أكثر من شخص أن يتحول إلى واقع، فقد وجدتني، بعد سنوات طويلة من العمل في مهنة من أكثر المهن استنزافًا للعقل والجسد، مضطرًا لأن أبوح بفكرة ظلت تراودني طويلًا.
أدرك في الوقت نفسه أن “واقع الأشياء يختلف تمامًا عن الأحلام والتصورات والأمثلة”، كما تقول بشرى خلفان في روايتها “الباغ”. ولذلك فإن ما أطرحه هنا ليس تصورًا لعالم مثالي، ولا أمنية منفصلة عن الواقع، وإنما فكرة أعتقد أنها تستحق أن تُطرح للنقاش، وأن تُختبر بهدوء، وأن تبحث عن إمكانية تحويلها إلى مشروع قابل للحياة.
وبعيدًا عن التفاصيل التي يمكن أن تُقال حول أدوار وزارة الإعلام، والمؤسسات الصحفية الخاصة، وجمعية الصحفيين العُمانية، وأقسام الإعلام في المؤسسات الحكومية والخاصة، فإنني أتحدث من موقع مختلف قليلًا؛ من موقع شخص بدأ علاقته بالإعلام منذ سنوات الدراسة، ثم درس الصحافة والإعلام، وعمل في هذا المجال سنوات طويلة، وعاش جانبًا من تحولاته، ولامس تفاصيله من الداخل.
وعندما أعود بذاكرتي إلى العام الذي دخلت فيه المهنة، أجد مصادفة لافتة؛ فقد كان العام نفسه الذي شهد تأسيس نادي الصحافة. كنت أسمع عنه وأدرك وجوده، لكنني لم أنتسب إليه، وربما لم أكن في تلك المرحلة أستوعب تمامًا قيمة أن يكون للعاملين في الصحافة والإعلام فضاء خاص يجتمعون فيه بعيدًا عن مكاتبهم ومؤسساتهم وأعباء العمل اليومية.
كان نادي الصحافة، في مرحلته، محاولة لتقريب المسافات بين أبناء المهنة، وفتح مجال لتبادل الخبرات والتجارب، وإيجاد مساحة للتواصل الإنساني والمهني. ثم تطورت التجربة وانتقلت الراية، بعد سنوات، إلى جمعية الصحفيين العُمانية، التي اتسعت معها المظلة المهنية وتعددت مجالات العمل والاهتمام.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: احتياجات الإعلاميين نفسها تتطور مع الزمن، وتتسع بقدر ما تتراكم التجارب وتتغير أدوات المهنة. فالآمال تكبر كما نكبر نحن، وتتسع بقدر ما تتعاظم تجاربنا وخبراتنا، وكأنها دعوة دائمة إلى البحث عن فضاءات أرحب، وأطر أكثر قدرة على احتضان أحلام الإعلاميين وطموحاتهم.
بعد سنوات طويلة من العمل في الإعلام، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن هناك مساحة لم تُملأ بالكامل بعد، وأن المشتغلين في الإعلام بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى نادٍ خاص بهم؛ ليس ناديًا ينافس المؤسسات القائمة، ولا جهة جديدة تُضاف إلى خريطة العمل الإعلامي لمجرد الإضافة، وإنما فضاء مهني وثقافي وإبداعي موازٍ لها.
ناديًا ينظر إلى الإعلامي بوصفه إنسانًا يحمل تجربة وأفكارًا وطموحات، قبل أن يُنظر إليه بوصفه موظفًا في مؤسسة. مكانًا يلتقي فيه الصحفي والمصور والمذيع وصانع المحتوى والأكاديمي والطالب المتخصص في الإعلام، إلى جانب أصحاب المهن المرتبطة بالإنتاج الإعلامي والإبداعي، فيلتقون لأنهم ينتمون إلى مساحة مهنية وإنسانية مشتركة.
فالإعلامي، مهما ابتعد عن أسوار المؤسسة، يبقى مشدودًا إلى مهنته. تنتهي ساعات العمل، لكن علاقته بالمهنة لا تتوقف عند مغادرة المكتب أو غرف الأخبار أو الاستديوهات أو صالات العمل. تظل أفكاره تتشكل في كل وقت، ومهاراته تتجدد يومًا بعد آخر، وتجارب مختلفة تتراكم داخله، وأسئلة عديدة تدور في ذهنه تبحث عن إجابات، وطاقات إبداعية تولد فيه قد لا ترى النور بسبب عوامل خارجة عن إرادته.
وكما هو حال بقية الأندية القائمة في سلطنة عُمان، يمكن لنادي الإعلاميين أن يصبح بيتًا يحتضن الأفكار الإعلامية؛ تُطرح فيه الرؤى، وتُناقش فيه المبادرات، وتتحول إلى مشاريع قابلة للتنفيذ. يمكن للنادي أن يكون مساحة تمنح الإعلامي فرصة اللقاء بزملائه من مختلف التخصصات، ليصنعوا معًا بيئة موازية، تتيح لهم إنتاج شيء جديد ومختلف، يتجاوز حدود ما يُطلب منهم إنجازه في إطار المهنة الرسمية، ويعكس طموحاتهم وأحلامهم في إعلام أكثر حيوية وتجددًا.
من أكثر ما يدفعني إلى التفكير في هذا المشروع أنني رأيت خبرات إعلامية ذات قيمة عالية تغادر الميدان بفعل التقاعد أو الانتقال إلى وظائف أخرى، دون أن يُستثمر الرصيد المهني الذي يحملونه. هذه الخبرات، في تقديري، ثروة لا تُكتسب من الكتب ولا تُدرّس في المناهج الجامعية، بل تُصاغ من خلال التجربة الحيّة والاحتكاك المباشر بتفاصيل المهنة والمعايشات اليومية.
تخيلوا حجم الفائدة التي يمكن أن تقدّمها هذه الذاكرة المهنية الغنية للأجيال اللاحقة، وما الذي يمكن أن يصنعه الجسر الممتد بين إعلامي مخضرم يحمل خبرة عقود، وشاب يمتلك أدوات العصر الحديثة ومعرفة رقمية واسعة. هنا لا نتحدث عن لقاء عابر، وإنما عن ذاكرة حية للإعلام العُماني، وعن جامعة مفتوحة تتعلم فيها الأجيال من بعضها بعضًا.
وأتخيل ذلك الشعور الذي سيجده الإعلاميون في ناديهم الخاص؛ شعورًا بالانتماء إلى مجتمع مهني يتجاوز حدود جدران المؤسسات المهنية. قد يعمل الإعلامي سنوات طويلة في مؤسسة واحدة، ثم ينتقل إلى أخرى، أو يتقاعد، أو يترك المجال مؤقتًا، فيتغير موقعه الوظيفي، لكن انتماءه إلى المهنة لا يختفي.
وهنا يمكن للنادي أن يقدّم شيئًا مختلفًا؛ مجتمعًا مهنيًا لا يرتبط بالمسار الوظيفي، ولا ينتهي بانتهاء ساعات العمل. فضاءً جامعًا يلتقي فيه الإعلاميون بمختلف تخصصاتهم، ليصنعوا بيئة موازية، نابضة بالحياة، تحتضن الأفكار، وتناقش المبادرات، وتحوّلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، بما يعزز حضور الإعلام العُماني ويمنحه روحًا متجددة.
وللنادي وجه آخر لا يقل أهمية: وجه ثقافي واجتماعي وترفيهي. فالمهنة التي تستنزف العقل والجسد تحتاج أيضًا إلى مساحة للتنفس. الإعلاميون يحتاجون إلى اللقاء بعيدًا عن ضغط العمل اليومي، وأن يتحدثوا في شتى صنوف المعرفة، وأن يصنعوا علاقات إنسانية لا تفرضها عليهم طبيعة العمل. فليس كل ما يحتاجه الإعلامي تدريبًا جديدًا، ولا كل ما يحتاجه اجتماعًا مهنيًا. أحيانًا يحتاج فقط إلى مكان يشعر فيه أنه بين عائلته.
النادي الذي أحلم به ليس مؤسسة زائدة عن الحاجة، ولا بديلًا عن وزارة الإعلام ولا عن المؤسسات الإعلامية ولا عن جمعية الصحفيين العُمانية. قوة النادي تكمن في أن يكون مكملًا لهذه المنظومة، وأن يشغل مساحة مختلفة عنها. وقيمة النادي تأتي من الوظيفة التي يمكن أن يؤديها ولا تؤديها مؤسسة أخرى. أتخيل هذا النادي كمساحة مهنية واجتماعية وفكرية مفتوحة للإعلاميين.
وقد يكون السؤال الأهم الآن: إذا كنا نحتاج إلى نادي الإعلاميين، فكيف ينبغي أن يكون؟.. ذلك حديث آخر نتركه للمساحة المقبلة.