علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: عندما أصبح الطعام يبحث عنا !..

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٣/سبتمبر/٢٠٢٦ ٠٩:٥١ ص
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: عندما أصبح الطعام يبحث عنا !..
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني

أرسل لي الدكتور كومار، الطبيب بمستشفى الحياة، صباحًا رسالة قصيرة، لكنها هذه المرة جعلتني أتوقف عندها طويلًا. فالرجل الذي تسبقه ابتسامته في كل لقاء، وفي جعبته خبرة طويلة في الطب والتعامل مع الناس، لا يكتفي في أحاديثه بالنظر إلى المرض والدواء فحسب، وإنما يطرح بين حين وآخر رؤية مختلفة للصحة والحياة، وكأنه يريد أن يقول لنا إن الطبيب الحقيقي لا ينتظر المريض حتى يصل إليه، بل يحاول أن يمنعه من الوصول إلى سرير المرض أصلًا؛ فالوقاية، كما تعلمنا منذ الصغر، خير من العلاج. الأمر الذي يتطلب منا أن نكون أطباء لأنفسنا، كما يقال، من خلال الوقاية والحذر من الأكل المفرط واتباع رغبات النفس الأمارة.

قال الدكتور في رسالته، وبما معناه: في الماضي، عندما كان الطعام شحيحًا، كان الإنسان يمشي مسافات طويلة بحثًا عنه، ويعتمد على ما توفره المواسم الزراعية من فواكه وخضروات، وينام بعد أن يُرخي الليل سدوله، ويأكل من أجل البقاء؛ أي يأكل ليعيش. أما اليوم، فالطعام موجود في كل مكان، ويمكن أن تصل أشهى المأكولات إلى باب المنزل، فيما أصبحت الأطعمة فائقة التصنيع، كالبيتزا والدونات والآيس كريم والمشروبات المحلاة والمعجنات والبطاطس المقلية، في متناول اليد، وتزامن ذلك مع الإضاءة الصناعية والسهر والشاشات وقلة الحركة وضغوط الحياة.

فهذه الرسالة بسيطة، لكنها تختصر قصة طويلة جدًا عن الإنسان، وكيف تغير نمط حياته عبر الأزمان.

كان أجدادنا يخرجون في الصباح إلى أعمالهم الشاقة، يمشون مسافات طويلة، ويزرعون ويرعون، ويصعدون أعالي الجبال وينزلون لبطون الأودية، ويبذلون جهدًا بدنيًا قبل أن تصل اللقمة إلى أفواههم. واليوم قد نستيقظ من النوم، ونركب السيارة من باب البيت إلى باب المكتب، ونصعد بالمصعد، ونجلس ساعات أمام الكمبيوتر، ثم نعود بالسيارة إلى المنزل، ونطلب العشاء هاتفيًا ليصل إلى الباب، ونقضي ما تبقى من الليل تنقلًا بين الشاشات.

وهنا تكمن المفارقة؛ في الماضي كان الإنسان يبحث عن الطعام، واليوم أصبح الطعام هو الذي يبحث عن الإنسان.

فاليوم تفتح هاتفك فتجد إعلانًا عن وجبة، ثم عرضًا لقطعة حلوى، ثم إشعارًا يقول لك: اطلب الآن واحصل على الثانية مجانًا. وقد لا تكون جائعًا أصلًا، لكن الصورة والرائحة التخيلية والعرض والسعر كلها تقول لك: كُلْ بصيغة الأمر فنأتمر، وهكذا لم نعد نأكل دائمًا لأن الجوع هو الذي أوحى لنا، وإنما لأن العين هي التي هندست الواقعة فاشتهته النفس، أو لأننا نشعر بالملل أو التوتر، أو لأن الأكل أصبح جزءًا من الترفيه في صيغته الجديدة.

ما تم ليس مجرد انطباع أو محض تخيل، فقد أظهرت تجربة سريرية أجرتها المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأميركية أن المشاركين عندما تناولوا أطعمة فائقة التصنيع أكلوا في المتوسط نحو 500 سعرة حرارية إضافية يوميًا مقارنة بالنظام غير المصنع، واكتسبوا نحو 0.9 كيلوجرام خلال أسبوعين، بينما فقدوا وزنًا خلال فترة تناول الطعام غير المصنع.

والمعادلة لا تتعلق بالطعام وحده، وإنما بما نصرفه من هذه الطاقة أيضًا، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 31% من البالغين عالميًا، أي قرابة 1.8 مليار شخص، لم يحققوا المستويات الموصى بها من النشاط البدني في عام 2022. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية كما هي، فقد ترتفع النسبة إلى 35% بحلول عام 2030.

إذن لدينا طعام أكثر، وحركة أقل، وسهر أطول، وشاشات لا تفارقنا، وضغوط نفسية متزايدة. ثم نستغرب لماذا يزداد الوزن، ولماذا نشكو من السكر والضغط والكوليسترول وأمراض القلب وغيرها من أمراض صنعناها بأنفسنا وأسميناها "أمراض العصر".

ولا يعني ذلك أن حياة الماضي كانت أفضل في كل شيء، أو أن علينا أن نعود إلى زمن شح الطعام والمشقة، فتوافر الغذاء والرعاية الصحية ووسائل النقل والتكنولوجيا نعم عظيمة حسنت حياة الإنسان، لكن المشكلة في رأيي أننا أخذنا من الحضارة راحتها، ولم ننتبه إلى الثمن الصحي الباهظ لهذه الراحة.

السيارة نعمة، ولكنها لا تعني أن نتوقف عن المشي، والمصعد نعمة، لكنه لا يمنعنا من صعود بعض الدرج. وتطبيقات توصيل الطعام خدمة رائعة، لكنها لا تعني أن تصبح الوجبات الجاهزة نظام حياتنا الأساس، والهاتف فتح لنا العالم، لكنه لا ينبغي أن يغلق علينا باب التواصل الحقيقي مع الناس في إطار شعيرة صلة الرحم واجبة الاتباع.

وحتى الأكل نفسه يحتاج إلى أن نستعيد علاقتنا الطبيعية معه. وفي ذلك أسر لي الدكتور كومار في رسالة أخرى: تعلم أن تمضغ طعامك جيدًا، وانتبه لما تأكله؛ اشتم رائحته، وتذوقه، وافهم مذاقه، واشعر بالطعام. هي نصيحة تبدو بسيطة، لكنها تعيد الإنسان إلى فعل يكاد يفقده وسط زخم السرعة: أن يأكل بوعي، لا أن يلتهم وجبته وهو يقلب هاتفه ولا يعرف حتى كم أكل وماذا أكل.

فالإنسان طبيب نفسه في كثير من تفاصيل حياته اليومية. يعرف متى بالغ في الطعام، ويعرف أنه لم يتحرك بما يكفي، ويعرف أن السهر إلى الثانية والثالثة صباحًا ثم الاستيقاظ للعمل ليس نمطًا صحيًا جيدًا، بل العكس، ويعرف أن الماء أفضل من المشروبات المحلاة وأن الفاكهة تختلف عن قطعة حلوى مصنعة. لكن المعرفة وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى سلوك فطري متبع.

وهنا أتذكر المقولة القديمة: "الوقاية خير من العلاج" نحن أحيانًا مستعدون لدفع مئات الريالات للفحوصات والأدوية والعلاج بعد ظهور المشكلة، لكننا نستثقل نصف ساعة من المشي يوميًا، أو تقليل كمية الطعام، أو النوم مبكرًا، أو إجراء تغيير بسيط ومستمر في أسلوب حياتنا.

كما أن دراسة واسعة نشرتها المجلة الطبية البريطانية BMJ وجدت أن ارتفاع استهلاك الأغذية فائقة التصنيع يرتبط بعدد من النتائج الصحية السلبية، من بينها أمراض القلب والسكري من النوع الثاني والسمنة، وإن كانت قوة الأدلة تختلف من نتيجة صحية إلى أخرى، ولا تعني كل الارتباطات وحدها إثبات السببية.

لذلك فإن رسالة الدكتور كومار، كما فهمتها، ليست دعوة إلى الحرمان، ولا إلى أن نخاف من كل وجبة نحبها، ولا أن تتحول حياتنا إلى حساب للسعرات في كل لقمة. إنها دعوة إلى التوازن؛ أن نستمتع بالطعام ولكن دون أن يصبح الطعام هو الذي يتحكم فينا، وأن نستفيد من الراحة التي وفرتها لنا الحياة الحديثة دون أن تتحول الراحة إلى خمول، والخمول إلى أمراض.

لقد تغير العالم، ولن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن بإمكاننا أن نأخذ من الماضي شيئًا ربما فقدناه وسط هذه الوفرة: الحركة، والبساطة، والاعتدال، والنوم في أوقات أفضل، والأكل عندما نحتاج إليه وليس كلما ظهر أمامنا مغريًا فواحًا.

دائمًا نرى العمال الذين يبذلون جهدًا كبيرًا في أعمال البناء ورفع الطابوق والإسمنت والعمل تحت لهيب الشمس إلى غير ذلك، نراهم أكثر صحة من المرفهين والأغنياء، لا كلهم، بل الكسالى منهم، الذين تجدهم في أروقة المستشفيات للعلاج وبالكاد يستطيعون المشي من التخمة، أما العمال فينامون قريري العين على قارعة الطريق ووسط ضجيج السيارات وهرج المارة؛ لأنهم مرتاحون نفسيًا ومجهدون عضليًا، لكن صحتهم عالية، وبالتالي لا علاقة لهم بالمستشفيات إلا لمامًا.

فالصحة لا تبدأ دائمًا من باب المستشفى، ولا من علبة الدواء، وإنما قد تبدأ من قرار صغير نتخذه كل صباح: نمشي قليلًا، ونأكل باعتدال، وننام جيدًا، ونمنح أجسادنا حقها.

وربما أجمل ما في رسالة الدكتور كومار أنها أعادت صياغة المسألة كلها في ذهني: كان الإنسان في الماضي يبذل طاقة كبيرة حتى يصل إلى الطعام، أما اليوم فيصل الطعام إليه قبل أن يبذل أي طاقة.

وبين الحالتين قصة كاملة اسمها نمط الحياة.

وإذا كنا قد تعلمنا قديمًا أن نأكل لنعيش، لا أن نعيش لنأكل، فقد حان الوقت أن نستعيد هذه الحكمة، ليس حرمانًا لأنفسنا من متع الحياة، وإنما حتى نستمتع بها ونحن في أكمل صحة وعافية.

نأمل أن نعيد صياغة حياتنا اليومية، ونعيد ترتيب أولوياتنا في المأكل والمشرب بما يحفظ صحتنا، فالوقاية خير من العلاج ستبقى هي الحكمة الأحق بالاتباع.