سالم الحبسي يكتب للشبيبة: مؤتمر السكتيوي..حين تتحول الكلمات إلى خارطة طريق..!!

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٦:٢١ م
سالم الحبسي يكتب للشبيبة: مؤتمر السكتيوي..حين تتحول الكلمات إلى خارطة طريق..!!
سالم الحبسي

بقلم : سالم الحبسي

بالحبر السري..

لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير لمدرب منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم طارق السكتيوي مجرد مناسبة إعلامية للحديث عن كأس الخليج والاستحقاقات المقبلة، بل بدا أقرب إلى إعلان مبكر عن فلسفة مشروع يريد المدرب أن يتجاوز به منطق «المنتخب الذي يستعد للبطولة» إلى «المنتخب الذي يُبنى من أجل المستقبل».

وهنا تكمن أهمية المؤتمر.

السكتيوي وضع كأس الخليج في مكانها الطبيعي: محطة تنافسية مهمة، لكنها ليست نهاية المشروع. فالمدرب تحدث عن التعامل الجاد مع البطولة، وعن كأس آسيا باعتبارها استحقاقًا مختلفًا، بينما وضع التأهل إلى كأس العالم 2030 كهدف استراتيجي أكبر. هذه الرؤية تعكس مفهومًا حديثًا في إدارة المنتخبات؛ حيث لا تُقاس قيمة العمل بنتيجة مباراة أو بطولة واحدة، وإنما بقدرة الجهاز الفني على بناء منظومة مستدامة.

الأكثر أهمية أن السكتيوي لم يحصر حديثه في المنتخب الأول. إشارته إلى ضرورة الاهتمام بالفئات السنية وإنشاء أكاديمية للاعبين الصغار تكشف أنه ينظر إلى كرة القدم باعتبارها سلسلة مترابطة، لا فريقًا منفصلًا عن بقية المنظومة. وهذه نقطة جوهرية؛ فالمنتخب القوي لا يُصنع في معسكر قصير، وإنما يبدأ من جودة اللاعب قبل وصوله إلى المنتخب الأول.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ هنا: كيف تتحول هذه الأفكار إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس؟

السكتيوي يملك تجربة تمنحه الحق في الحديث عن البناء. مع نهضة بركان قاده إلى لقب كأس الكونفدرالية الأفريقية عام 2020، ثم ذهب إلى المنتخب الأولمبي المغربي وحقق معه الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024. كما ارتبطت تجربته التدريبية بفكرة كرة القدم الهجومية والضغط والطاقة العالية، إلى جانب التركيز على بناء عقلية الفوز.

وهذه التجارب مهمة عند قراءة مشروعه في عُمان. فالسكتيوي ليس مدربًا جاء فقط لتغيير التشكيلة أو أسلوب اللعب؛ سجله يشير إلى مدرب يؤمن بأن الجانب الذهني والثقافة التنافسية جزء من العمل التكتيكي. وهو نفسه تحدث سابقًا عن أن سنواته لاعبًا في بورتو، بما حملته من ألقاب وتجارب على أعلى مستوى، ساهمت في تشكيل شخصيته وعقلية الفوز لديه. 

إعلاميًا، جاء المؤتمر في توقيت حساس. الجمهور العماني يريد إجابات واضحة، والإعلام يريد مشروعًا يمكن مراقبته، والمنتخب يحتاج إلى مساحة زمنية للعمل بعيدًا عن ضغط النتائج الفورية. لذلك فإن الرسالة الأهم التي خرجت من المؤتمر ليست «سنفوز بكأس الخليج»، بل «لدينا طريق نريد أن نسلكه».

خارطة الطريق الواقعية يجب أن تبدأ بثلاثة مستويات: نتائج قصيرة المدى، هوية فنية متوسطة المدى، وقاعدة مواهب طويلة المدى. كأس الخليج يجب أن تكون مختبرًا للهوية، وكأس آسيا اختبارًا للنضج التنافسي، بينما يكون الطريق إلى 2030 معيارًا للحكم على المشروع بأكمله.

نجاح السكتيوي في سلطنة عُمان لن يُقاس فقط بعدد الانتصارات، بل بقدرته على جعل المنتخب أكثر وضوحًا في أسلوبه، أكثر عمقًا في خياراته، وأكثر قدرة على إنتاج لاعبين قادرين على المنافسة القارية.

المؤتمر كان جيدًا في التشخيص والطموح. أما المرحلة المقبلة، فهي مرحلة الدليل.

في كرة القدم، المؤتمرات تصنع التوقعات، لكن الملعب وحده يصنع الحقيقة.