«بين سحر الرصاص وأصالة الحرف».. تجارب عُمانية شبابية تجمع بين التراث والابتكار الرقمي

مزاج الاثنين ٣١/أغسطس/٢٠٢٦ ١٣:٢٤ م
«بين سحر الرصاص وأصالة الحرف».. تجارب عُمانية شبابية تجمع بين التراث والابتكار الرقمي
الفن التشكيلي العُماني

العُمانية - الشبيبة

يشق عدد من الفنانين الشباب العُمانيين مساراتهم الخاصة في فضاء الفن التشكيلي، مستندين إلى أدوات وأساليب مختلفة، لكنها تلتقي عند البحث عن الهوية الفنية والقدرة على التعبير عن الإنسان وملامحه ومشاعره، واستلهام عناصر من الثقافة العُمانية، في وقت تتسع فيه التجارب البصرية وتتقاطع الأدوات التقليدية مع الإمكانات الرقمية الحديثة.

وبين فن البورتريه الذي يقتفي تفاصيل الوجه، والرسم بقلم الرصاص بما يحمله من إمكانات واسعة للظل والنور، والحروفيات التي تعيد قراءة الحرف العربي بوصفه عنصرًا بصريًّا وتشكيلًا جماليًّا، تتشكل تجارب شبابية ترى في الفن مساحة لاكتشاف الذات وبناء أسلوب خاص، وتطمح إلى حضور أوسع في المشهدين المحلي والدولي.

ويجد الفنان سويد بن مسعود اليعربي في البورتريه مساحة فنية قادرة على حفظ ملامح الإنسان وتوثيق حضوره، إذ تعود بدايته في هذا الفن إلى عام 2014م، حين أراد تقديم هدية لأحد أصدقائه تبقى ذكرى دائمة، فوجد في رسم الوجوه ما يحقق ذلك، لتتحول التجربة لاحقًا إلى مسار فني عززه تشجيع المحيطين به وتفاعلهم مع أعماله.

ويولي اليعربي اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل المميزة في كل وجه قبل البدء بالرسم، ولا سيما النسب والمسافات والقياسات التي تمنح كل شخصية خصوصيتها، مؤكدًا أن نجاح البورتريه لا يقوم على التشابه الخارجي وحده، بل يحتاج إلى إحساس بالفكرة والشخصية التي يجسدها الفنان.

ويرى أن الدقة في تخطيط الملامح والاعتماد على صورة واضحة يمثلان عنصرين أساسيين للوصول إلى نتيجة قريبة من الواقع، إلا أن الجانب الشعوري يظل حاضرًا بقوة في أثناء التنفيذ، إذ يتفاعل الفنان، بحسب تجربته، مع الحالة التي تحملها ملامح الشخصية؛ فينعكس الفرح أو الحزن أو غيرهما من المشاعر على تركيزه وعلاقته بالعمل.

وتشكل البشرة أحد أبرز التحديات التقنية في تجربته، خاصة عند الانتقال إلى مرحلة التلوين، لما تتطلبه من طبقات متعددة للوصول إلى نتيجة واقعية، إضافة إلى اختلاف طبيعتها وتفاصيلها وفق المراحل العمرية، من الطفولة والشباب وصولًا إلى مراحل متقدمة من العمر، حيث تبرز التجاعيد وتصبح جزءًا رئيسًا من سردية الوجه.

وشكلت الشخصيات العُمانية جانبًا حاضرًا في تجربته منذ بداياته؛ إذ أسهم تكرار رسمها، وفق رؤيته، في تطوير قدرته على الدقة والاستمرار في الممارسة ويعتقد أن البورتريه يمكنه الإسهام في توثيق ملامح المجتمع وذاكرته الثقافية عندما يقترب الفنان من الناس ويشاركهم مناسباتهم ومشاعرهم بأعمال تستحضر الوجوه والتجارب الإنسانية المتصلة بهم.

ومن الأعمال التي يعتز بها لوحة أطلق عليها اسم "حكاية ملك"، أنجزها خلال أربعة أيام متواصلة، واستند فيها إلى تفاصيل وجه أحد كبار السن وما تحمله ملامحه من تجاعيد وتعبيرات، وهي التفاصيل التي يجد فيها مساحة أرحب لإظهار قدراته في بناء الوجه وإبراز واقعيته.

ولا ينظر اليعربي إلى التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي بوصفها بديلًا عن العمل اليدوي، وإنما أدوات يمكن أن تساعد الفنان في بلورة الفكرة وإجراء تعديلات بصرية على الصورة المرجعية، سواء بالإضافة أو الحذف أو المعالجة قبل بدء الرسم وفي المقابل، يرى أن البورتريه اليدوي يحتفظ بخصوصيته؛ لأن اللوحة الأصلية تظل عملًا منفردًا يحمل أثر يد الفنان ولا تتطابق تمامًا مع أي نسخة أخرى.

ويتطلع في المرحلة المقبلة إلى تطوير أسلوب فني خاص يمنحه هوية يمكن تمييزها، إلى جانب توسيع مشاركاته خارج سلطنة عُمان والوصول إلى معارض دولية، وإقامة معرض شخصي يضم خلاصة تجربته وأعماله.

وفي مسار قريب من عالم البورتريه، تتعامل الفنانة خولة محمد علي مع اللونين الأسود والأبيض بوصفهما فضاءً قادرًا على استحضار المشاعر وتفاصيل الوجه الإنساني.

وتصف خولة الرصاص بأنه الخامة الأقرب إليها، رغم تجربتها لخامات أخرى، من بينها ألوان الأكريليك والتصوير الزيتي، إلا أنها تجد نفسها تعود إليه لما يمنحها من قدرة على تجسيد إحساسها بصورة أكثر وضوحًا، إلى جانب ما يوفره من مساحة للتجريب والإبداع.

وترى أن الرسم بالرصاص يمنحها مرونة في تأسيس اللوحة وإنجاز مراحلها المختلفة، كما تعده مدخلًا أساسيًّا لفهم قواعد الرسم التي يمكن البناء عليها عند الانتقال إلى خامات أخرى، مؤكدة أن الإلمام بأساسياته يساعد الفنان على تطوير رؤيته التقنية والبصرية.

وتولي خولة عناية خاصة لعلاقة الظل بالنور وما يصنعانه من عمق داخل اللوحة، مشيرة إلى أن دراسة مواقع الإضاءة والظلال من الأسس المهمة في الرسم الأكاديمي، لما لها من دور في إظهار أبعاد العنصر وتقديمه بصورة أكثر واقعية.

ويحتل البورتريه المساحة الأكبر في أعمالها، إذ تستوقفها ملامح الوجه بما تختزنه من تعبيرات ومشاعر إنسانية مختلفة، كما تحضر الشخصية العُمانية في أعمالها من خلال رسم وجوه من فئات عمرية متعددة وحالات تعبيرية متنوعة.

وتعد مرحلة التأسيس وتحديد نسب الوجه والملامح الأولية من أكثر المراحل تحديًا بالنسبة لها، فيما تختلف مدة إنجاز العمل تبعًا لكم التفاصيل والتعبيرات، وقد تمتد غالبًا من أسبوع إلى أربعة عشر يومًا أو أكثر وتبدأ العملية بخطوط أولية رفيعة، ثم تحديد درجات الظل، قبل الانتقال تدريجيًّا إلى التفاصيل والإضاءات واللمسات النهائية.

وتتعامل خولة بإيجابية مع حضور الفن الرقمي والتقنيات الحديثة، ولا ترى فيهما تعارضًا مع الرسم التقليدي بحيث تعتقد أن الأدوات الرقمية يمكن أن تسهم في زيادة الاهتمام بالفنون اليدوية وإبراز قيمتها وعلى الرغم من تقديرها لتجارب الفنانين الرقميين والمصممين، فإنها تظل أكثر ارتباطًا بالأدوات التقليدية لما تجده فيها من أصالة وصدق في الأثر، ولما تمنحه ممارسة الرسم اليدوي من تجربة حسية مباشرة بين الفنان وأدواته.

ومن الأعمال القريبة إلى تجربتها لوحة للأديب العُماني الراحل خميس العدوي، إذ تمثل بالنسبة إليها مرحلة انتقال مهمة لكونها أول تطبيق عملي متكامل لعدد من التقنيات والأسس التي اكتسبتها عبر الدورات والدروس وقراءاتها المتصلة بالفن.

وتطمح خولة إلى بناء أسلوبها الخاص والوصول إلى مستوى أكثر احترافًا وإتقانًا، بما يتيح لها المشاركة في معارض دولية وعالمية، وإنشاء مرسمها الخاص مستقبلًا، انطلاقًا من رؤيتها للرسم بوصفه أسلوب حياة متكاملًا، وليس مجرد هواية أو حرفة.

وعلى مسار بصري مختلف، تنطلق الفنانة مروة بنت عبدالله الحوسني من الحرف العربي، مستفيدة من مرونته وجمالياته وقدرته على التحول من وسيلة للقراءة إلى عنصر تشكيلي قائم بذاته.

وبدأت علاقتها بالخط منذ طفولتها، حين كان جمال خطها واهتمامها بطريقة الكتابة يلفتان انتباه معلميها، فكانت تحاول تقليد نماذج مختلفة قبل أن تعرف قواعد الخط وأصوله وفي عام 2022م تقريبًا، التحقت بأولى الورش المتخصصة في الخط العربي، لتبدأ منها تجربتها الأكثر انتظامًا في التعلم والتطوير.

ويمثل خط الوسام الأقرب إليها، لما تجده في أشكال حروفه وطريقة بنائها من إمكانات تساعدها على التعبير عن أفكارها وإضافة لمستها الخاصة، مع حرصها في الوقت ذاته على التعرف على خطوط أخرى وتجريبها.

وبعد فترة من تعلم الأساسيات والقواعد وكثرة الممارسة، بدأت تجربتها تتجه تدريجيًّا نحو التشكيلات الحروفية، فلم يعد اهتمامها مقتصرًا على كتابة الحرف بصورته التقليدية، وإنما أصبح السؤال بالنسبة إليها مرتبطًا بكيفية توظيفه لصناعة عمل بصري يحمل فكرة وتكوينًا مختلفًا.

وتتعامل مروة مع الحرف بوصفه عنصرًا له بنيته الجمالية الخاصة، فتلتفت إلى انحناءاته وامتداداته ونسبه وعلاقته بالحروف الأخرى والمساحات المحيطة به، بما يسمح بتحويله من مجرد نص إلى بناء تشكيلي يمكن للمتلقي تأمله بصريًّا حتى قبل الوصول إلى دلالته اللغوية.

وعادة ما تنطلق في أعمالها من النص أو الفكرة التي تريد التعبير عنها، ثم تبحث عن التكوين الحروفي الملائم لها، مستفيدة من امتدادات الحروف وتداخلاتها لإيجاد حضور بصري يخدم المعنى ولا ينفصل عنه.

وفي علاقتها بين الأصالة والمعاصرة، تحرص على أن يكون التجديد في طريقة تقديم الحرف وليس في تغيير هويته؛ فتنطلق من قواعد الخط وشكله الأساسي، ثم تمنح نفسها مساحة للتجريب في التكوين وآلية عرض العمل، انطلاقًا من قناعتها بأن الحرف العربي يمتلك من الثراء والمرونة ما يسمح باكتشاف مقاربات فنية جديدة مع الحفاظ على هويته.

وترى أن الحروفيات العربية تحظى بموقع مهم في الفنون البصرية الحديثة، لما تجمعه من جمال الحرف وقابليته للتشكيل والتجريب، معتبرة أنها لم تعد محصورة في وظيفة الكتابة وإنما أصبحت مجالًا فنيًّا له حضوره داخل المشهد البصري المعاصر.

وتهتم في عملها بأن تكون اللحظة الأولى بين المتلقي واللوحة قائمة على الرؤية قبل القراءة؛ بحيث يلفت التكوين انتباهه إلى جمال الحرف وتفاصيله وحركته، قبل أن ينتقل إلى استكشاف النص ومعناه، وفي هذا السياق تفرق بين "قراءة الحرف" و"رؤيته"؛ فالقراءة تبحث عن الكلمة والدلالة، فيما تكشف الرؤية عن النسب والتوازن والامتداد وعلاقات الحروف بعضها ببعض، وهو الجانب الذي تحاول منحه حضورًا واضحًا في تجربتها.

وتطمح مستقبلًا إلى تأسيس معرض خاص تقدم فيه أعمالها الحروفية ولوحاتها، ليكون امتدادًا لمسيرتها ومساحة تعكس تطور تجربتها وتجمع بين جماليات الخط وقواعده والتشكيلات المعاصرة، إلى جانب استضافة معارض وورش وتعاونات مع خطاطين وفنانين.

وتكشف هذه التجارب، على اختلاف أدواتها ومساراتها، عن اشتغال واضح لدى جيل من الفنانين الشباب ببناء لغة بصرية خاصة؛ فالوجه لدى أحدهم ذاكرة وتفاصيل، والرصاص لدى آخر مساحة لاختبار الضوء والمشاعر، فيما يصبح الحرف لدى ثالث مادة قابلة للتشكيل والتأمل، وبين الوفاء للأداة التقليدية والاستفادة من التقنية الحديثة، يظل البحث عن الأسلوب والهوية الفنية الخاصة محورًا يجمع هذه التجارب، ويمنحها قابلية مستمرة للنمو والتطور داخل المشهد التشكيلي العُماني.