
بقلم : زاهر ناصر حمد الكويلي
أصبحت الزيادة في فواتير الكهرباء والمياه من الموضوعات التي تشغل اهتمام شريحة واسعة من المواطنين، لما تمثله هذه الفواتير من التزام مالي شهري ثابت يضاف إلى بقية الالتزامات المعيشية والأسرية.
ومع تزايد الشكاوى والملاحظات حول ارتفاع قيمة الفواتير مقارنة بالاستهلاك المعتاد، تبرز الحاجة إلى التعامل مع هذا الملف بصورة أكثر سرعة ووضوحاً، والعمل على إيجاد حلول عملية ومستدامة تضمن تحقيق التوازن بين استدامة الخدمات وعدم تحميل الأسر أعباء مالية تفوق قدرتها.ولا شك أن خدمات الكهرباء والمياه من الخدمات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، ولذلك فإن أي ارتفاع ملحوظ في تكلفتها ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون آليات احتساب الاستهلاك واضحة ومفهومة، وأن يتمكن المشترك من معرفة تفاصيل فاتورته بكل سهولة، بما في ذلك كمية الاستهلاك، وقيمة التعرفة، وأي رسوم أو مبالغ إضافية، حتى لا تبقى الفاتورة مجرد رقم يصعب على المستهلك تفسير أسباب ارتفاعه.
إن معالجة ارتفاع الفواتير لا ينبغي أن تقتصر على استقبال الشكاوى والرد عليها بصورة فردية، وإنما تتطلب دراسة شاملة لأسباب الارتفاع، سواء كانت مرتبطة بأنماط الاستهلاك، أو بالتعرفة، أو بآليات قراءة العدادات، أو بالعدادات الذكية، أو بأي عوامل فنية أخرى قد تؤثر في دقة احتساب الاستهلاك. كما أن وجود فاتورة مرتفعة بشكل غير معتاد يجب أن يستدعي التحقق منها بصورة سريعة، خصوصاً عندما يؤكد المشترك أن نمط استهلاكه لم يتغير.ومن المهم كذلك تعزيز الرقابة على دقة العدادات وعمليات القراءة، والتأكد من سلامة الأنظمة الإلكترونية المرتبطة بإصدار الفواتير، إلى جانب توفير آلية سهلة وسريعة للمواطن لتقديم الاعتراض، بحيث يتم التعامل مع البلاغات بجدية وشفافية، وإجراء الفحص الفني عند الحاجة دون تعقيد الإجراءات أو تحميل المشترك أعباء إضافية قبل التحقق من سبب الارتفاع.وفي جانب آخر، فإن التوعية بالاستهلاك الرشيد للكهرباء والمياه تظل مسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة والمجتمع.
فترشيد الاستهلاك لا يعني حرمان الأسرة من احتياجاتها الأساسية، وإنما يعني الاستخدام الأمثل للموارد، والاستفادة من التقنيات والأجهزة الأكثر كفاءة، ومعرفة الطرق التي تساعد على خفض الاستهلاك دون التأثير في مستوى المعيشة. ومع ذلك، يجب ألا تتحول دعوات الترشيد إلى بديل عن معالجة أي مشكلات فنية أو إدارية قد تكون وراء بعض الفواتير المرتفعة.
كما أن الشفافية في هذا الملف تمثل عاملاً مهماً في تعزيز الثقة بين المواطن والجهات المقدمة للخدمة. فكلما كانت المعلومات المتعلقة بالتعرفة وآلية احتساب الفاتورة واضحة، وكلما كانت قنوات التواصل والاستجابة للشكاوى أكثر سرعة وفاعلية، تراجعت حالة القلق والجدل التي قد تنتج عن ارتفاع الفواتير دون تفسير مقنع.ومن الضروري كذلك التفكير في وضع حلول تراعي الأسر ذات الدخل المحدود، خصوصاً في الفترات التي ترتفع فيها معدلات الاستهلاك بسبب الظروف المناخية وارتفاع درجات الحرارة. ويمكن دراسة برامج أكثر مرونة للدعم أو التقسيط أو معالجة الحالات الاستثنائية، وفق ضوابط واضحة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها، مع المحافظة في الوقت نفسه على استدامة قطاعي الكهرباء والمياه.
إن المطلوب اليوم ليس معالجة مؤقتة لارتفاع الفواتير، وإنما الوصول إلى حل نهائي يقوم على مراجعة شاملة للمنظومة، بدءاً من قراءة العداد ومروراً باحتساب الاستهلاك وإصدار الفاتورة وانتهاءً بآليات الاعتراض والفحص والمعالجة. فالمواطن يريد أن يدفع قيمة استهلاكه الفعلية، وأن يعرف بوضوح كيف وصلت فاتورته إلى المبلغ المطلوب، وأن يجد جهة تستمع إلى ملاحظاته وتتفاعل معها بسرعة.وفي هذا السياق، فإن استخدام التقنيات الحديثة والعدادات الذكية يمكن أن يسهم في تحسين دقة القراءات، وتمكين المشترك من متابعة استهلاكه بصورة مستمرة، ومعرفة الارتفاعات غير الطبيعية في وقت مبكر. كما يمكن تطوير التطبيقات والمنصات الإلكترونية لتقديم تنبيهات للمشترك عند تجاوز استهلاكه مستويات معينة، بما يساعده على اكتشاف أي خلل أو تسرب أو ارتفاع غير معتاد قبل وصول الفاتورة إلى مبلغ مرتفع.إن ملف فواتير الكهرباء والمياه يحتاج إلى اهتمام مستمر باعتباره مرتبطاً بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطن، وليس مجرد قضية مالية عابرة. ولذلك فإن الإسراع في مراجعة أسباب ارتفاع الفواتير، والاستماع إلى ملاحظات المواطنين، ورفع كفاءة أنظمة القراءة والفوترة، وتبسيط إجراءات الاعتراض، وتقديم حلول عادلة للحالات المتضررة، كلها خطوات ضرورية للوصول إلى منظومة أكثر كفاءة وشفافية.
وفي النهاية، فإن إيجاد حل نهائي ومستدام لهذه القضية سيحقق فائدة مشتركة للجميع؛ فالمواطن سيشعر بالاطمئنان إلى أن ما يدفعه يتناسب مع استهلاكه الحقيقي، والجهات المعنية ستعزز ثقة المجتمع بخدماتها، وسيكون قطاعا الكهرباء والمياه أكثر قدرة على الاستدامة والتطوير. ومن هنا فإن الإسراع في معالجة ارتفاع الفواتير لا يمثل مطلباً خدمياً فحسب، بل هو خطوة مهمة لتعزيز جودة الحياة وترسيخ الثقة وتحقيق التوازن بين كفاءة الخدمات والقدرة المالية للأسر.