صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: تحالفات جديدة وأسئلة مستحقة: قراءة في اتفاقية "الدفاع المشترك" الثلاثية

مقالات رأي و تحليلات السبت ٠٨/أغسطس/٢٠٢٦ ١٠:٣٥ ص
صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب للشبيبة: تحالفات جديدة وأسئلة مستحقة: قراءة في اتفاقية "الدفاع المشترك" الثلاثية
صادق بن محمد سعيد اللواتي

بقلم : صادق بن محمد سعيد اللواتي 

 

تشهد المنطقة الإقليمية تحولات جيوسياسية متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات العسكرية والاستراتيجية. وتأتي التقارير الإخبارية التي تتحدث عن وصول الاتفاقية الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان إلى مراحلها النهائية والمرتقب توقيعها في الرياض بحضور قادة الدول الثلاث، لتفتح باباً واسعاً من النقاش حول طبيعة هذه التحالفات وأبعادها المستقبلية.

 

إن مفهوم "الدفاع المشترك" القائم على التزام كل دولة بالدفاع عن الأخرى في حال تعرضها لأي هجوم خارجي، ينطوي على تعقيدات جيوسياسية متعددة، ويثير جملة من التساؤلات المشروعة التي تتطلب قراءة عميقة:

 

أولاً: عند النظر إلى المشهد الميداني، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة التهديدات المباشرة التي تستدعي هذا التحالف، فهل تشير هذه الخطوة إلى اتساع نطاق التحديات الأمنية في المنطقة (كالصراع في شمال اليمن) إلى حد يستدعي استدعاء حلفاء من خارج الإقليم، رغم ما تمتلكه القوات المملكة السعودية العربية المسلحة من ترسانة عسكرية حديثة وتغطية تسليحية متطورة؟

 

ثانياً: تطرح مشاركة باكستان وتركيا إشكاليات جيو-عسكرية معقدة، فتركيا عضو بارز في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما يثير الاستفهام حول مدى إمكانية توفيقها بين التزاماتها الأطلسية وتعهداتها في هذا الحلف الجديد في حال نشوب نزاع مع إسرائيل مثلاً. وفي المقابل، كيف سيتعامل هذا التحالف مع الصراع التاريخي بين باكستان والهند في حال تصاعد المواجهات بينهما؟

 

ثالثا: يطرح هذا التوجه الثلاثي علامة استفهام كبيرة حول مصير المبادرات والأطر الإقليمية السابقة، وعلى رأسها اتفاقية "الدفاع العربي المشترك". وفي ظل تصاعد الاعتداءات والانتهاكات الصهيونية المتكررة في غزة والضفة الغربية ولبنان، وأمام حالة العجز والضعف التي تعتري المنظومة الدفاعية العربية، تبرز حاجة استراتيجية ملحة لتأسيس حلف إسلامي شامل وأكبر، حلف لا يقتصر على تفاهمات جزئية، بل يستجمع طاقات العالم الإسلامي ومقوماته للدفاع عن الدول الإسلامية، وحماية أراضيها ومصالحها العليا ضد التهديديات الخارجية.

 

رابعاً: يبقى خطر الصهيوني وتمدده في المنطقة التحدي الأكبر والأخطر على الأمن القومي الإقليمي، فكيف سيتصدى هذا التحالف الجديد إزاء الاعتداءات والتهديدات المستمرة التي يشكلها الكيان الصهيوني على استقرار المنطقة ودولها؟ وهل سيتضمن ذلك حماية ودفاعاً حقيقيين ضد هذا التهديد؟

 

خامسا: هل يمثل هذا التكتل الثلاثي نواة لحلف إقليمي وإسلامي أكبر قد يتسع ليشمل دولاً أخرى في المستقبل، أم أنه مجرد ترتيب أمني لمرحلة سياسية استثنائية؟

 

إن التحالفات العسكرية الكبرى لا تقاس فقط برصيد نصوصها عند التوقيع، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام تضارب المصالح الاستراتيجية لأطرافها، وبمدى إجابتها الشفافة عن التهديدات الحقيقية التي تواجه شعوب المنطقة واستقرارها.

 

ختاماً: في ظل ما يجري اليوم من اعتداءات مستمرة على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة، وفي لبنان، يصبح الحديث عن "حلف إسلامي" ضرورة وليس رفاهية. لم يعد بمقدور أي دولة أن تواجه وحدها رياح التغيير وتحديات الأمن.

 

الأحداث الأخيرة أثبتت أن القوة الخارجية لا تتحرك إلا لمصالحها، وأن الدم الفلسطيني الذي يُسفك يومياً يحتاج إلى صوت موحد وسند حقيقي. لذلك، أي اتفاق للدفاع المشترك بين دول إسلامية يجب أن يبدأ من هنا، حماية المستضعفين، ومن صيانة الأمن القومي للأمة، لا من حسابات ضيقة. فالأمة التي توحدت في كربلاء بالدم، وفي القدس بالدموع، قادرة أن تتوجه اليوم بالسياسة والتنظيم.