عبد الوهاب البلوشي يكتب للشبيبة: نظيرة الحارثية امرأة علمتنا أن المستحيل مجرد ارتفاع آخر

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٤/أغسطس/٢٠٢٦ ١٤:٣٠ م
عبد الوهاب البلوشي يكتب للشبيبة: نظيرة الحارثية امرأة علمتنا أن المستحيل مجرد ارتفاع آخر
عبد الوهاب البلوشي

بقلم : عبد الوهاب البلوشي 

هنالك أشخاص يمرون في حياتنا مروراً عابراً، وهناك أشخاص يتركون أثراً لا يمحوه الزمن. كانت نظيرة بنت أحمد الحارثية واحدة من أولئك القلائل. لم أعرفها من خلال الصور التي تصدرت وسائل الإعلام وهي تعانق قمم الجبال، بل عرفتها من حديث هادئ كشف لي أن خلف تلك الابتسامة الواعدة إرادة من فولاذ، وأن خلف ذلك التواضع روحاً لا تعرف المستحيل.

كان لقائي الأول بها بعد عودتها من تحقيق إنجازها التاريخي بالصعود إلى قمة جبل إيفرست، وذلك بترتيب من صديق مشترك يعرفنا معاً. لم يكن في ذهني يومها أن أسألها عن الارتفاعات أو درجات الحرارة أو المخاطر، بل كان السؤال الذي يشغلني هو: من أين جاءت الفكرة؟ وكيف استطاعت امرأة عمانية أن تحول حلماً يبدو مستحيلاً إلى حقيقة؟

استمعت إليها وهي تتحدث ببساطة وهدوء، فلم أجد شخصاً يتفاخر بما حقق، بل إنسانة تتحدث عن الحلم كما لو كان مسؤولية، وعن النجاح كما لو كان نتيجة طبيعية للإعداد والانضباط والإيمان. يومها أدركت أن الوصول إلى القمة لم يبدأ عند سفح جبل إيفرست، بل بدأ قبل ذلك بسنوات، في أعماق النفس، عندما قررت ألا تسمح لكلمة مستحيل أن تحدد مسار حياتها.

ومع مرور الوقت، ازداد يقيني بأن قصة نظيرة لم تكن قصة رياضية فحسب، بل قصة إنسانية تستحق أن تُروى لكل شاب وفتاة يبحثان عن طريقهما في الحياة. ولذلك، عندما كنت أقدم أحد برامجي التدريبية، وكان بين المشاركين عدد كبير من النساء، دعوتها لتكون الضيف الرئيسي عن الإرادة والإصرار والعمل الجاد. كنت أؤمن أن ساعة مع شخص عاش التجربة أبلغ أثراً من أيام طويلة من المحاضرات النظرية. وما إن بدأت حديثها حتى خيم الصمت على القاعة. لم تكن تتحدث عن الجبال بقدر ما كانت تتحدث عن الإنسان، عن الخوف الذي يجب أن نواجهه، وعن التعب الذي يجب أن نصبر عليه، وعن الأحلام التي لا تتحقق إلا إذا دفعت ثمنها من وقتك وجهدك وانضباطك. وعندما انتهت من حديثها، لم يكن التأثير الذي رأيته في وجوه الحاضرين نابعاً من إعجابهم بأول امرأة عمانية تصل إلى قمة إيفرست، بل من إعجابهم بإنسانة أقنعتهم أن النجاح ليس امتيازاً يمنح للبعض، وإنما رحلة تبدأ بقرار.

لقد تعلمت من نظيرة درساً لم أجده في كثير من كتب الإدارة والقيادة. فالنجاح ليس ضربة حظ، ولا وليد لحظة عابرة، ولا نتيجة أمنيات جميلة. النجاح هو تراكم يومي من الالتزام، والإعداد، والتضحية، والانضباط، والإيمان بالهدف حتى يصبح واقعاً. كانت تعلم أن كل خطوة نحو القمة تسبقها ألف الخطوات في التدريب، وأن كل إنجاز عظيم يسبقه استعداد أعظم.

كثيرون يعتقدون أن نظيرة كانت تتسلق الجبال، لكنني أرى أنها كانت، في الحقيقة، تتسلق نفسها. كانت تنتصر في كل رحلة على الخوف قبل أن تنتصر على الصخور، وعلى التعب قبل أن تنتصر على الارتفاع، وعلى الشك قبل أن تصل إلى القمة. ولذلك فإن أعظم جبل صعدته لم يكن إيفرست ولا غيره من قمم العالم، بل كان جبل الإرادة الإنسانية.

ولعل أجمل ما علمتنا إياه هو أن لكل واحد منا جبله الخاص. فليس كل جيل من صخر وجليد. هناك من يصعد جبلاً اسمه المرض، وآخر يصعد جبلاً اسمه الفقر، وثالث يصعد جبلاً اسمه المسؤولية، ورابع يصعد جبلاً اسمه فقدان الأحبة. أما نظيرة، فقد اختارت أن تصعد الجبال الحقيقية، لكنها تركت لنا درساً في كيفية صعود جبال الحياة جميعها.

لقد حملت اسم عُمان إلى أعلى قمم الأرض، لكنها حملته أيضاً بأخلاقها، وتواضعها، وابتسامتها، وإيمانها بأن الإنجاز الحقيقي لا يكتمل إلا إذا ألهم الآخرين. لم تكن تبحث عن الشهرة، بل كانت تبحث عن معنى. ولم تكن تتسابق مع الآخرين، بل كانت تتسابق مع حدودها هي، وفي كل مرة كانت إعادة تعريف الممكن.

واليوم، ونحن نودعها بعد رحيلها المأساوي في جبال باكستان، لا نبكي متسلقة فقدت حياتها أثناء ممارسة شغفها فحسب، بل نبكي مدرسة كاملة في الإصرار والعزيمة والإيمان بالحلم. لقد خسرت عُمان امرأة استثنائية، لكن الوطن كسب قصة ستبقى تُروى للأجيال، كلما ظن أحدهم أن الطريق طويل، أو أن الحلم أكبر من إمكاناته.

قد يرحل أصحاب الإنجازات، لكن الإنجازات لا ترحل معهم؛ لأنها تتحول إلى ذاكرة وطن، وإلى قدوة للأجيال، وإلى رسالة تقول لكل من يقف أمام جبل في حياته: لقد سبقك من صعد... فلا تتراجع.

رحم الله نظيرة بنت أحمد الحارثية رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجزى أهلها ومحبيها خير الجزاء، على ما غرست في هذه الأرض من نموذج مضيء، سيبقك حاضراً في ذاكرة الوطن.