عباس الزدجالي يكتب: أناناسة أخرى تفاجئ صيادًا من مجيس !

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٧/سبتمبر/٢٠٢٦ ٢٠:١٣ م
عباس الزدجالي يكتب: أناناسة أخرى تفاجئ صيادًا من مجيس !
صورة السمكة

بقلم : عباس الزدجالي

صياد آخر يفاجأ بسمكة عجيبة لم تخطر على باله إطلاقًا، وهي تخرج من «دوباية»* كان قد وضعها على «مشد»* خاص بوالده بالقرب من ميناء صحار صباح أمس، لتؤكد لنا مرة أخرى أن البحر لا يزال يخبئ حتى للصياد المحترف أسرارًا وعجائب قد يمضي سنوات طويلة وهو يبحر فوقها من دون أن يراها!

 

فمن بين الأسماك التي وجدها الصياد عبدالله بن أحمد السدراني من مجيس داخل الدوباية، التي أخرجها من على عمق بلغ نحو ٢٦ مترًا، ظهرت سمكة بدت وكأنها قادمة من عالم آخر، بتكوينها الفريد وألوانها الذهبية البديعة وجسمها المدرع الغريب.

 

إنها سمكة الأناناس اليابانية Japanese Pineapplefish، واسمها العلمي المقبول Monocentris japonica، وتعرف أيضًا باسم Pineconefish، أي «سمكة كوز الصنوبر»؛ وقد اكتسبت الاسمين من شكل جسمها البيضاوي المغطى بحراشف كبيرة وصلبة تحدها خطوط داكنة، فتبدو تارة كحبة أناناس وتارة أخرى ككوز صنوبر.

 

وتنتمي السمكة إلى فصيلة Monocentridae، وهي من الأسماك العظمية البحرية المرتبطة بالبيئات الصخرية والشعاب. وتشير قاعدة FishBase إلى أن طولها الشائع يبلغ نحو ١٢ سنتيمترًا، بينما يبلغ أكبر طول موثق للنوع نحو ١٧ سنتيمترًا. كما وثق تواجدها على أعماق تتراوح إجمالًا بين متر واحد و٣٠٠ متر، فيما تتواجد الأسماك البالغة غالبًا على عمق ٢٠ و٢٠٠ متر، مختبئة نهارًا تحت الحواف الصخرية وداخل الكهوف والشقوق، وقد تشاهد في مجموعات صغيرة.

 

وتنتشر «الأناناسة اليابانية» في نطاق واسع من المحيطين الهندي والهادئ الغربي، من البحر الأحمر ومدغشقر وريونيون وجنوب أفريقيا، شمالًا حتى اليابان وتايوان والصين، وجنوبًا حتى أستراليا. وهي ليست دخيلة على عُمان؛ فقاعدة FishBase تسجلها نوعًا محلياً Native في المياه العُمانية، مع تسجيلات سابقة من الساحل الجنوبي للسلطنة.

 

لكن هذه السمكة تجمع في الحقيقة ثلاث صفات نادرة في سمكة واحدة: فهي أولًا سمكة محلية غريبة المظهر ومدرعة الجسم، وثانيًا سمكة مضيئة حيويًا، وثالثًا سمكة زينة ذات قيمة وجاذبية في الأحواض البحرية العالمية.

 

والأعجب علميًا هو الصفة الثانية. ففي منطقة الفك السفلي توجد لديها أعضاء ضوئية تحتوي على بكتيريا مضيئة حيويًا تعيش معها في علاقة تكافلية. ومن هنا يأتي الضوء الذي تظهره السمكة في الظلام، وليس من «مادة مشعة» كما قد يتبادر إلى الذهن. ويرجح العلماء أن هذه الإضاءة تساعدها أثناء نشاطها الليلي في البحث عن الغذاء، وربما في التواصل مع أفراد من نوعها.

 

أما جسمها، فهو أشبه بدرع طبيعي؛ إذ تغطيه حراشف كبيرة شديدة الصلابة ومحددة باللون الداكن، بينما تحمل على الظهر أشواكًا قوية بارزة، وهو ما يمنحها ذلك المظهر الذي يصعب أن ينساه من يراها للمرة الأولى. 

ومع أن هذه «الأناناسة» معروفة علميًا بوجودها في مياه السلطنة، فإن ظهورها في مصائد الصيادين يظل غير مألوف.

 

وسبق للصياد محمد المزروعي من ولاية شناص أن وثق تجربة مشابهة قبل نحو خمس سنوات، إلا أن السمكة، فيما نعلم، لا تحمل حتى الآن اسمًا شعبيًا عُمانيًا متداولًا بين الصيادين؛ ولهذا يبقى اسما «الأناناس» و«كوز الصنوبر» الأقرب لوصف شكلها العجيب.

 

واللافت أيضًا أن المشرّع العُماني التفت إلى هذه السمكة تحديدًا. فقد أدرجت اللائحة التنفيذية الجديدة لقانون الثروة المائية الحية، الصادرة بالقرار الوزاري رقم ٧٠/٢٠٢٦، Monocentris japonicus باسم Pineapplefish ضمن الملحق رقم ٦ الخاص بأسماك الزينة.

 

لكنها لم تدرج ضمن الأنواع المسموح باستغلالها، بل جاءت صراحة في جدول الأنواع المحظور صيدها وتداولها وتصديرها. كما تنص المادة ١٨٨ على أن أنواع أسماك الزينة المسموح والمحظور صيدها وتداولها تحدد وفق ذلك الملحق.

 

وهذه نقطة مهمة؛ فالسمكة قد تكون مطلوبة في تجارة الأحواض البحرية العالمية، وتعرض في الأحواض العامة بسبب شكلها وإضاءتها الحيوية، لكن ذلك لا يجعل صيدها من مياهنا للاتجار بها كسمكة زينة أمرًا مباحًا؛ فالوضع التنظيمي الحالي في السلطنة يضعها ضمن القائمة المحظورة من الصيد والتداول والتصدير لأغراض الزينة.

ولعل أجمل ما في حكاية هذه السمكة أن الأخ عبدالله بن أحمد السدراني، الذي كان برفقة كل من خالد بن عبيد الزدجالي وحارث بن محمد المعمري، أعاد «الأناناسة» الجميلة إلى البحر وهي لا تزال حية، وظل يراقبها وهي تغوص من جديد نحو الأعماق.

تصرف يستحق الإشادة، بل إنه يتوافق تمامًا مع روح الحماية التي جاءت بها التشريعات الحديثة. فالقيمة الحقيقية لهذه السمكة ليست فيما قد يدفعه أحدهم مقابلها في سوق أسماك الزينة، وإنما في بقائها حية في بحر عُمان: سمكة مدرعة عجيبة الشكل، ومصباح بحري حي، وواحدة من جواهر الزينة الطبيعية التي تستحق أن تبقى حيث خلقها الله.

 

* الدوباية: قفص أو مصيدة تقليدية تستخدم لصيد الأسماك.

* المشد: ركام ينشئه الصياد في قاع البحر من الصخور أو مواد البناء أو جذوع الأشجار وغيرها، ليعمل كموئل صناعي ومأوى تتجمع حوله الأسماك والكائنات البحرية، وتوضع بالقرب منه الدوابي ومصائد الصيد.