محمد محمود عثمان يكتب: الصراع على مضيق هرمز.. خفضٌ للتوترات أم إدارةٌ للتهديدات؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٩/يوليو/٢٠٢٦ ١٣:١٦ م
محمد محمود عثمان يكتب: الصراع على مضيق هرمز.. خفضٌ للتوترات أم إدارةٌ للتهديدات؟

هل الهدف النهائي للصراع على مضيق هرمز هو إزالة مصادر التهديد في الخليج، أم إدارة هذه التهديدات؟ إن التداعيات الإقليمية والدولية على الاقتصاد العالمي تتطلب فهماً دقيقاً لحقيقة هذا الوضع، والتعامل معه من هذا المنطلق، حتى لا تظل المنطقة تقف فوق صفيح ساخن، في ظل غموض يلف مآلات الأمور.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أمن الملاحة ذاته: هل تسعى القوى الكبرى إلى القضاء على مصادر التهديد في الخليج، أم تهدف إلى إدارتها بما يحافظ على توازنات إقليمية تبرر استمرار الوجود العسكري الأجنبي؟ وجودٌ يُعنى -في جوهره- بمواجهة المد الاقتصادي للصين والدول الآسيوية في المنطقة، ويُعزز الشراكات الدفاعية وصفقات التسليح، مانحاً الصناعات الدفاعية الأمريكية أسواقاً مفتوحة قادرة على استمرارية التمويل، وربما بلا حدود.

ويقودنا هذا إلى تفسير أكثر واقعية حين نستشرف التوجهات السلوكية للولايات المتحدة، والتي تبدو راغبة في إبقاء إيران قوةً إقليمية قادرة على تهديد أمن المنطقة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة تقضي على قدراتها كلياً. والهدف من ذلك خلق بيئة استراتيجية تستمر فيها حاجة دول الخليج إلى المظلات الأمنية الخارجية، والاستثمار المتواصل في القدرات الدفاعية، وهو ما يرسخ -بلا شك- النفوذ السياسي والعسكري للقوى الكبرى في المنطقة.

ومن هنا، نطرح تساؤلات تتجاوز حدود الملاحة البحرية؛ فهل تسعى القوى الكبرى -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- إلى إزالة مصادر التهديد بصورة نهائية، أم إلى إدارتها واحتوائها بما يحافظ على توازنات إقليمية معينة؟ وهل تهدف إلى المشاركة في عائدات الرسوم المقترحة للمرور في المضيق، والتي أشارت إليها تفاهمات أمريكية-إيرانية غامضة ومبهمة، أو ما ظهر جلياً عبر تصريحات الرئيس ترامب السابقة بفرض رسوم بنسبة 20% على الشحنات العابرة للمضيق، ثم العدول عنها للمطالبة بزيادة الاستثمارات الخليجية في أمريكا؟ وبذلك، يتحول أمن الخليج إلى جزء من معادلة النفوذ الدولي، أكثر من كونه مشروعاً لبناء منظومة أمن إقليمية مستقلة.

وهل بات الصراع على مضيق هرمز يدور حول تأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم فحسب، أم تحول إلى عنوان لتنافس إقليمي ودولي تتشابك فيه اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والنفوذ السياسي، في ظل عودة التوترات إلى الخليج، وشبه اختفاء للأساس والجوهر المعلن للنزاع مع إيران، ألا وهو الملف النووي والصواريخ الباليستية؟

لذا، تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في ظل استمرار المخاوف الخليجية من السياسات الإيرانية، وتزايد الإنفاق الدفاعي، واستمرار الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، مقابل غياب إطار أممي فاعل يتولى تنسيق الجهود الدولية لحماية هذا الشريان الحيوي. ويُعد مضيق هرمز عصباً للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط المنقول بحراً والغاز الطبيعي المسال؛ ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين والشحن، وسلاسل الإمداد العالمية. ومن ثم، فإن استقرار المضيق لم يعد شأناً خليجياً فحسب، بل قضية ذات أبعاد دولية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الاقتصاد العالمي.

وهذه الأهمية الاستراتيجية للمضيق حولته إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي؛ فإيران تنظر إليه باعتباره ورقة ضغط تمنحها قدرة على الردع والتأثير في معادلات الأمن الإقليمي، بينما ترى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن أمن المضيق جزء لا يتجزأ من أمنها القومي واستقرار اقتصاداتها. وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وشركاؤها أن وجودهم البحري يهدف إلى حماية حرية الملاحة وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة، وهو ما نفهمه ظاهرياً من السياسات المعلنة لواشنطن تجاه المنطقة، والتي تدّعي السعي للردع ومنع اندلاع حرب إقليمية شاملة قد تضر بالمصالح الدولية.

غير أن القراءة المتأنية للمشهد من الداخل، وللتصريحات المعلنة، تضعنا أمام صورة أخرى يجسدها الواقع؛ المتمثل في استمرار بؤرة الصراع مشتعلة، وعدم إنهاء أسباب التوتر، عبر نهج يعتمد على "إدارة التهديدات" لا "إنهائها بالكامل". ويؤدي هذا عملياً إلى استمرار الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي، وتعزيز الشراكات الدفاعية، وزيادة الطلب على أنظمة التسليح المتطورة. وهذا يفسر لماذا نشاهد جولات متعاقبة من التصعيد والتهدئة، وسيناريوهات مختلفة للمفاوضات والمفاوضين وجولاتهم المكوكية، واتفاقيات إطارية غير قابلة للتطبيق العملي، ولا تفضي إلى حل مقبول أو تسوية أمنية شاملة تنهي جذور التوتر.

على عكس الدور الإيجابي الذي اضطلعت به سلطنة عُمان -بحكم موقعها الجغرافي وسياساتها القائمة على الحوار الدبلوماسي الجاد- في دعم جهود التهدئة والحفاظ على قنوات التواصل بين مختلف الأطراف. وقد أسهم هذا النهج العُماني في مراحل متعددة في تقريب وجهات النظر، وتهيئة بيئة مواتية للحوار وصولاً إلى اتفاقات تُنهي الأزمات. إلا أنه، وفي ظل رغبة كامنة لدى أطراف أخرى في استمرار التصعيد، شهدت جولات مفاوضات مسقط وجنيف تعثراً (يرى الكاتب أنه بفعل تدخلات أمريكية أفشلت المفاوضات عبر تصعيدات عسكرية ضد إيران في ظل المظلة التفاوضية العُمانية).

وفي خضم هذا المشهد، يلفت الانتباه غياب دور أممي أكثر فاعلية في إدارة أمن مضيق هرمز. فعلى الرغم من أن استقرار هذا الممر يمثل مصلحة عالمية، لم تتبلور حتى الآن آلية دائمة تحت مظلة الأمم المتحدة لتنسيق الجهود الرامية إلى حماية الملاحة وخفض التصعيد. ويرتبط ذلك -في جانب منه- بصعوبة التوصل إلى توافقات داخل مجلس الأمن بشأن ملفات الأمن الإقليمي، وهو ما يترك المجال للتحالفات الدولية والترتيبات الثنائية والإقليمية لتكون الفاعل الرئيس في هذا الملف.

وتتفاقم هذه الإشكالية في ظل المفارقة المتمثلة في أن إيران، ورغم خطابها الرافض للوجود العسكري الأمريكي في الخليج، تساهم سياساتها الإقليمية تجاه دول الجوار عملياً في استمرار هذا الوجود، وتوفر أحد المبررات الرئيسية لبقاء تلك القوات، مما يدفع ببعض الدول إلى طلب الحماية الخارجية، ويجعل الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية أكثر رسوخاً. وبذلك، يتحول التهديد الإيراني لدول الجوار، أو التهديدات بغلق مضيق هرمز أو باب المندب (عبر الوكلاء)، إلى مسوغ للوجود الأمريكي في الخليج، ليصبح هذا الوجود نفسه طرفاً في معادلة تُغذي التوتر المستمر مع إيران في حلقة مفرغة.

ويبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل يمكن أن يظل أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم رهيناً لتوازنات القوى الدولية وحدها؟ أم أنه آن الأوان لتبني رؤية سياسية طويلة المدى تعالج جذور التوتر، وتؤسس لشراكة أمنية إقليمية أكثر استدامة؛ منظومةٍ تشارك فيها الدول المطلة على المضيق، وتستند إلى مبادئ حسن الجوار، واحترام السيادة، وحرية الملاحة، بدعم من المجتمع الدولي وفي إطار القانون الدولي؟ إن البديل عن ذلك هو بقاء المنطقة ساحة دائمة للتنافس على النفوذ، واستمرار المضيق عرضة للتجاذبات، ليظل الاقتصاد العالمي بأسره رهيناً لأي تصعيد جديد، مهما كان حجمه أو مصدره أو زمانه