
هل عاد عصر القرصنة؟ وهل تملك الولايات المتحدة تفويضاً لحماية المضيق والوصاية عليه، بعيداً عن اتفاقيات الأمم المتحدة وفي ظل غياب الحماية الدولية؟ فلم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعبر منه ناقلات النفط والغاز، بل أصبح ساحة يتقاطع فيها القانون الدولي مع المصالح الاستراتيجية، وتتصادم عندها إرادات القوى الإقليمية والدولية، حول حرية الملاحة وأمنها كما كان. فبعد التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعه من تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار الوجود العسكري الأمريكي، وطرح فكرة فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق مقابل "الحماية"، عاد إلى الواجهة سؤال طالما أُجِّلت الإجابة عنه: من المسؤول عن أمن مضيق هرمز؟
وتتميز سلطنة عمان بموقف مختلف نسبياً عن بقية دول المجلس، إذ تحافظ على علاقاتها بإيران، وكونها عضواً فاعلاً في المنظومة الخليجية، وترفض أي تصعيد قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة. كما تؤكد التزامها الكامل بواجباتها بوصفها طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتدعو جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي والعمل بموجبه، وترى أن الوقت قد حان لفتح الطريق أمام نظام أمني أكثر عدلاً وواقعية وفاعلية في منطقة الخليج.
وتتفق جميع دول المجلس على عدم الرغبة في حرب شاملة مع إيران، وعلى أن حرية الملاحة في مضيق هرمز تمثل مصلحة استراتيجية مشتركة، وأن إغلاقه أو تعطيله يضر باقتصادات الخليج والعالم، وأنه لا بد من تعزيز الشراكات الأمنية. وهناك شبه إجماع دولي على أن أمن مضيق هرمز قضية عالمية، لكن تختلف وسائل التعامل معها طبقاً لتقاطع بعض المصالح والاستراتيجيات، كما يبدو من مواقف الصين وروسيا والهند واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ولن يبقى أمامنا سوى السؤال: هل تبقى هذه المسؤولية بيد قوة دولية بعيدة جغرافياً عن المكان، وتفرض نفسها وأهدافها ومصالحها؟ أم أنها مسؤولية تقع أولاً وأخيراً على عاتق الدول العربية والخليجية المطلة على هذا الممر الاستراتيجي، باعتباره شريانها الاقتصادي وأحد أهم ركائز أمنها القومي؟
ولا شك في أنه لا خلاف على أن حرية الملاحة في مضيق هرمز مصلحة دولية، وأن المجتمع الدولي معنيٌّ بحماية التجارة العالمية وفق قواعد القانون الدولي. لكن تحويل هذه الحماية إلى ترتيبات أحادية، أو إلى مقابل مالي تفرضه دولة بعينها، يثير تساؤلات سياسية وقانونية، ويدفع إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن البحري في الخليج.
لقد أثبتت الأزمات المتعاقبة أن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لا يحقق أمناً دائماً، كما أن ترك أمن المضيق رهينة للتوتر بين واشنطن وطهران يجعل اقتصادات المنطقة ومستقبلها عرضة لحسابات لا تملك دول الخليج قرارها.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي، ومعها الدول العربية المعنية بأمن البحر الأحمر والخليج العربي، الانتقال من موقع المتلقي للترتيبات الأمنية إلى موقع الشريك وصاحب المبادرة، عبر بناء منظومة أمن بحري عربية وخليجية متكاملة، تستند إلى التعاون العسكري والاستخباراتي، وتطوير القدرات البحرية المشتركة، والتنسيق مع المجتمع الدولي، دون التفريط في سيادة القرار، أو تحويل أمن المنطقة إلى سلعة تُشترى أو خدمة تُفرض مقابلها رسوم.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من يستطيع حماية مضيق هرمز؟ بل: من ينبغي أن يتحمل المسؤولية الأولى عن حمايته؟ والإجابة المنطقية تبدأ من دول المنطقة نفسها، لأنها الأكثر ارتباطاً بأمنه، والأكثر تأثراً بأي اضطراب فيه، والأقدر على بناء منظومة أمنية مستدامة تقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى احترام القانون الدولي لا فرض الأمر الواقع.