
هناك مقالات تُقرأ ثم تُنسى، وهناك مقالات تتحول إلى وثائق سياسية تكشف كيف ترى الدول العالم من حولها. ومن هذا النوع جاء مقال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية في 14 يوليو 2026، بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وهو التصعيد الذي حاولت سلطنة عُمان، حتى اللحظات الأخيرة، أن تمنع انزلاق المنطقة إليه.
أهمية المقال لا تكمن في توقيته فحسب، بل في لغته أيضاً. فمن يعرف الدبلوماسية العُمانية يدرك أنها نادراً ما تستخدم خطاباً مباشراً أو تصدر أحكاماً حادة. لكن هذه المرة تحدثت مسقط بوضوح لافت، وكأنها تقول إن ما جرى لم يعد يحتمل المجاملات الدبلوماسية، وإن الوقت قد حان لتسمية الأشياء بأسمائها.
فالرسالة الأولى في المقال أن الحرب لم تكن قدراً، بل كانت نتيجة فشل سياسي دولي متراكم، حيث تُركت أزمات المنطقة تتفاقم، وتم التعامل مع جذورها باعتبارها ملفات قابلة للتأجيل، بينما جرى الاكتفاء بإدارة الأعراض لا معالجة الأسباب. ومن هنا جاء توصيف سياسة “الاحتواء” بأنها وهم؛ إذ لم تحقق استقراراً دائماً، بل كرّست أزمات مؤجلة تنفجر بصورة أعنف كلما تأخر الحل، في ظل تجاهل الحقوق المشروعة والاعتماد المفرط على موازين القوة العسكرية.
وفي قضية أمن الخليج، يقدم المقال رؤية مختلفة عن الخطاب الأمني السائد في كثير من العواصم الغربية. فبينما يربط البعض أمن الملاحة بزيادة الأساطيل العسكرية وتوسيع التحالفات الدولية، ترى سلطنة عُمان أن الأمن الحقيقي يبدأ من الإقليم نفسه، وأن الممرات البحرية لا يمكن حمايتها بصورة مستدامة إذا بقيت الدول المطلة عليها خارج معادلة الأمن.
وهنا تبرز الفلسفة السياسية العُمانية في أوضح صورها: الجغرافيا ليست خياراً سياسياً يمكن تغييره، وإنما حقيقة استراتيجية يجب البناء عليها. إيران ستظل على الضفة الأخرى من الخليج، تماماً كما ستظل دول مجلس التعاون على هذه الضفة، ولذلك فإن الأمن المستدام لا يُبنى ضد الجيران، بل معهم. أما التحالفات العسكرية الخارجية، مهما بلغت قوتها، فهي بطبيعتها متغيرة، تخضع لتبدل المصالح والانتخابات وتغير الإدارات، بينما تبقى الجغرافيا والتاريخ أكثر ثباتاً من جميع التحالفات.
ولعل أكثر ما يميز مقال السيد بدر هو شجاعته في تحديد مصدر الخطر الحقيقي على أمن الخليج. فلم يلجأ إلى اللغة الدبلوماسية التقليدية التي تتحدث عن “التوترات الإقليمية” بصورة عامة، بل أشار بوضوح إلى أن كثيراً من التهديدات التي تواجه الخليج تنبع من قرارات تُتخذ خارج حدوده، وتحديداً في تل أبيب. وهذا ليس انحيازاً سياسياً بقدر ما هو توصيف لواقع أثبتته السنوات الأخيرة؛ فكلما اتسعت دائرة المواجهة الإسرائيلية في المنطقة، ارتفعت احتمالات انزلاق الخليج إلى أزمات لم يكن طرفاً فيها.
إن هذه الرسالة تعكس تحولاً مهماً في التفكير الاستراتيجي العُماني. فدول الخليج لم تعد تنظر إلى الأمن باعتباره قضية عسكرية فحسب، بل باعتباره شرطاً لازماً للتنمية. فالمليارات التي استثمرت في التنويع الاقتصادي، والموانئ، والمناطق الحرة، والطاقة النظيفة، والسياحة، يمكن أن تتعرض للاهتزاز بسبب قرار عسكري يتخذ على بعد مئات الكيلومترات من الخليج، لكنه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، وثقة المستثمرين، وكلفة التأمين، واستقرار الاقتصاد العالمي.
ولذلك، فإن الرسالة التي أرادت مسقط إيصالها تتجاوز الأزمة الحالية، لتؤكد أن الأمن لا يُستورد من الخارج ولا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، وإقامة منظومة إقليمية قائمة على الحوار والمصالح المشتركة. لقد قالت مسقط، بوضوح غير مسبوق، إن أوهام الاحتواء قد سقطت، وإن الاستمرار في إدارة الأزمات بالأدوات القديمة لن ينتج سوى دورات جديدة من التصعيد، يدفع ثمنها الجميع دون استثناء