
الشبيبة - العمانية
يرى الفنان التشكيلي البريطاني جيمس واغستاف أن سلطنة عُمان تشكل عبر تاريخها الحضاري الممتد وجغرافيتها الطبيعية والثرية منارة ثقافية بارزة ومصدر إلهام إنساني وفني فريدًا، يجسد عمق الارتباط الوجداني بين الإنسان والمكان، ويكشف عن مقدرة المجتمع العُماني الاستثنائية على صون هويته وقيمه الاجتماعية والتقليدية الراسخة والتفاعل معها، في ظل التحولات العالمية المتسارعة والمتغيرات المعاصرة التي يشهدها العالم.
واستعرض في حديث له لوكالة الأنباء العُمانية أبعاد الحراك الإبداعي في سلطنة عُمان من خلال قراءة معمقة، أمضى ما يزيد على خمسة عشر عامًا منغمسًا في تفاصيل وجزئيات الثقافة العربية والخليجية عامة، والتراث العُماني الأصيل على وجه الخصوص؛ حيث أسهمت هذه التجربة الطويلة والممتدة في إعادة تشكيل هويته الإنسانية، وتغيير نظرته وفلسفته الفنية تجاه العالم، وطرق تفاعله البصري والروحي مع البيئة والمجتمع.
وتطرق الفنان جيمس واغستاف إلى البيئة العُمانية، مشيرًا إلى أن ما يسترعي الانتباه والتقدير في سلطنة عُمان هو المدى العميق الذي يربط الناس بأماكنهم؛ إذ لا تزال القرى القديمة، والأودية النابضة، والجبال الشاهقة، والمساحات البحرية الممتدة، إلى جانب تاريخ العائلات وعاداتها الممتدة، تلعب دورًا حيًّا وفاعلًا أساسيًّا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العُماني.
وأشار واغستاف إلى أن الثقافة في سلطنة عُمان تتميز بكونها كائنًا حيًّا وممارسات ملموسة مستمرة، وليست مجرد معروضات تاريخية تحفظ خلف زجاج الصالات والمقاصير؛ بل هي حاضرة ببهائها وعفويتها في مواسم جني التمور، وحركة أسواق السمك التقليدية، وأسواق الماشية والماعز، وطقوس إعداد الأطعمة التقليدية، وجلسات إلقاء الشعر، واحتفالات الأعياد الدينية والوطنية، وكرم الضيافة المتأصل كقيمة عليا مقدمة للضيف والزائر.
وأكد فلسفة الفنان البريطاني على الطريقة الملهمة التي تشكل بها الأشياء والأماكن طبيعة التفاعل البشري؛ مبينًا أن أدوات الحياة اليومية في سلطنة عُمان تتجاوز أبعادها المادية البحتة، فدلة القهوة ليست مجرد إناء، وحصيرة الجلوس المصنوعة يدويًّا ليست مجرد بساط، والقطعة الخشبية المنحوتة تفوق كونها مادة جامدة، بل إن هذه الرموز والأشياء تحمل في طياتها حكايات متوارثة، وتقاليد عميقة، وذاكرة جماعية، وهوية وطنية راسخة.
وذكر أنه قضى ساعات لا تحصى على مدار سنوات طوال في مراقبة حركة الحياة اليومية للبلاد وأهلها، متأملًا ومشاركًا ومتفاعلًا معها بكل حواسه الإبداعية.
وفيما يتعلق بالتأثير البصري والبيئي، فقد أشار الفنان إلى أن سلطنة عُمان أسهمت بشكل جذري في تعزيز وتحفيز علاقة الفنان بالمواد الطبيعية الخام؛ نظرًا لما تزخر به الأرض العُمانية من تنوع مذهل واستثنائي في تشكيلات الأحجار، والرخام، والأخشاب المحلية، والمواد الطبيعية المتنوعة التي تلفظها مياه البحر على الشواطئ الممتدة.
وأشار إلى ما تتمتع به سلطنة عُمان من ثروة في الألوان الطبيعية المتدرجة في الجبال والأودية العُمانية، والتي تعد ميزة جيولوجية وبصرية نادرة؛ حيث يمكن للمرء في موقع جغرافي واحد أن يعثر على عشرات الأنواع المختلفة من الأحجار، التي يتميز كل منها بمنشأ جيولوجي وطابع فريد وتاريخ زمني خاص.
وأوضح الفنان البريطاني أن هذه المواد تمثل مصدرًا متجددًا للإلهام، وتعزز لديه القناعة الفلسفية بأن "المواد الطبيعية تحمل ذاكرة حية"؛ وبالتالي فإن العملية الفنية من وجهة نظره لا تقوم على التشكيل الاصطناعي من العدم، بل هي عملية استكشاف واعٍ وكشف عما تخبئه تلك المواد في طياتها وتكويناتها الداخلية من أسرار وقصص عبر الأزمنة، مستكشفة ذلك التوتر الإبداعي بين استمرار التقاليد وثباتها وبين التحولات السريعة التي يمر بها العالم.
وتطرق واغستاف إلى انعكاس القيم الاجتماعية العُمانية في ممارسات الفن المعاصر؛ مؤكدًا أن قيم الكرم، والتسامح، والتعايش، والترحاب بالآخر ليست مجرد شعارات ومفاهيم مجردة ونظرية، بل هي قيم حقيقية اختبرها هو وعائلته والعديد من الأصدقاء والزوار الذين قدموا إلى سلطنة عُمان بشكل مباشر وملموس، من خلال الحفاوة الكبيرة التي حظي بها، والبيوت المفتوحة التي دُعي إليها، والصداقات المتينة التي بناها مع أفراد المجتمع، وهي قيم - وفقًا لتعبيره - يحتاجها العالم الأوسع اليوم بشدة ليعيد اكتشافها وترسيخها.
وبيّن أن جزءًا كبيرًا من ممارسته الإبداعية الحالية يتمحور حول معالجة أسئلة إنسانية جوهرية، مثل: الشفاء النفسي، والعفو، والفهم المشترك، والتواصل البشري؛ حيث يسعى عبر أعماله التركيبية التفاعلية إلى إيجاد فضاءات حرة تتيح للمشاركين والجمهور التفاعل الجسدي والوجداني المباشر مع هذه الموضوعات.
ومن خلال أفعال ومواد وأسئلة بسيطة، تتاح للجمهور فرص حقيقية للتأمل المباشر في شؤون الذات والآخر؛ الأمر الذي يدفع الكثيرين للتوقف، والتأمل، وإعادة النظر في معتقدات راسخة عن أنفسهم وعن علاقتهم بالمحيط الإنساني.
وأشار إلى أن الفن يظل دائمًا نشاطًا إنسانيًّا بامتياز، يساعد المجتمعات على معالجة تفاصيل الحياة، ومشاركة الحكايات، وفهم التجارب المشتركة، فضلًا عن كونه يسهم بفاعلية في مد الجسور الإبداعية بين المنطق والخيال، وبين المرئي وغير المرئي، وبين الفرد والجماعة؛ فالفن الجيد والمؤثر لا يقتصر على نقل المعلومات الجافة، بل يصنع لقاءات إنسانية حية وتجارب شعورية مشتركة.
واستعرض جيمس واغستاف أساليب العمل الفني المتعدد الوسائط التي ينتهجها، والتي تمتد من النحت والتركيبات الفراغية إلى فنون الطباعة والحرف اليدوية الدقيقة؛ حيث يرى أن العلاقة بين الوسيط الفني والفكرة تبدأ دائمًا من الفكرة أولًا، والتي تولد عادة من ملاحظة عابرة، أو سؤال فلسفي، أو مادة طبيعية، أو شعور إنساني، أو محادثة عفوية، ومن ثم يتم اختيار الوسيط الفني الأنسب القادر على حمل تلك التجربة وإيصالها للجمهور بأفضل صورة ممكنة.
وأكد الفنان أن المواد المختلفة تتحدث بلغات تعبيرية متباينة؛ فالخشب يشعر المتلقي بالحياة والضعف والدفء الإنساني، بينما يمنح الحجر شعورًا بالجذور الراسخة والخلود، في حين يمكن للمعدن أن يعكس الطابع الصناعي والقوة مع الرقة، بينما يحمل الطين لمسات الصانع بطريقة فريدة؛ مما يجعل المادة جزءًا لا يتجزأ من معنى العمل الفني وفكرته.
وذكر أن النحت يتيح له استكشاف الحضور والشكل والذاكرة، في حين تتيح الفنون التركيبية تحقيق المشاركة والتحول الوجداني، وتقدم الحرف والطباعة مفاهيم التوافق والتكرار والأثر المتبقي؛ ولذلك فإن مسؤوليته كفنان تكمن في الإنصات التام لما يطلبه العمل وما تمليه المواد الطبيعية كالأخشاب والأحجار لتتحول إليه.
وأكد الفنان البريطاني أن العيش بين ثقافات متعددة أثبت له أن الأسئلة الإنسانية الأعمق والأكثر جوهرية هي أسئلة مشتركة بين بني البشر كافة، وتتجاوز حدود اللغات والجغرافيات، مثل أسئلة الانتماء، والهوية، والذاكرة، والعائلة، والعفو، والهدف المشترك، مشيرًا إلى أن الفن يصنع لغة عالمية موحدة ومفهومة قبل أن تصبح الكلمات ضرورية.
ونوّه إلى أن سلطنة عُمان مثلت عبر تاريخها العريق مركزًا حيويًّا للقاء والتبادل الحضاري والفكري عبر طرق التجارة، وحركات الهجرة، ومأثورات الضيافة، والارتباط بالبحر؛ حيث التقت على أرضها الثقافات والحكايات والخبرات الإنسانية وأعادت تشكيل بعضها البعض في وئام تام.
وأضاف الفنان أن الفن يمتلك القدرة على إيجاد فضاءات آمنة يحل فيها الفضول المعرفي الإيجابي محل الخوف من المجهول، ويصبح الاستماع للآخر ممكنًا، مما يسمح للإنسان بمعرفة نفسه في الآخرين مع الحفاظ التام على احترام الاختلافات والخصوصيات الثقافية، وبناء الجسور بين الماضي والحاضر، وبين التقليد والتغيير.
وشدد جيمس واغستاف على أن الإبداع البشري لا ينبغي أن يقتصر على صالات العرض والمعارض الفنية المغلقة، بل يجب أن يمس مجالات العمارة، والتصميم، والطعام، والموسيقى، والحرف اليدوية، والتعليم، والفضاءات العامة، والابتكار الشامل، مؤكدًا أنه مع التطور المتسارع والاستثنائي والفائق لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز أهمية الإبداع الإنساني أكثر من أي وقت مضى؛ نظرًا للحاجة الملحة إلى أفراد يمتلكون القدرة على التخيل، وربط الأفكار المعقدة، وحل المشكلات، والتفكير بطرق مغايرة ومبتكرة، معربًا عن أمله في أن يستمر الازدهار الإبداعي في قطاعات التعليم والثقافة بشكل عام.
وأشار الفنان البريطاني جيمس واغستاف إلى أن المؤسسات الثقافية العُمانية، والفنانين، والقيّمين، والمنظمات يبذلون جهودًا دؤوبة على مدار سنوات طويلة لبناء الأسس الثقافية المتينة التي تستفيد منها الأجيال الحالية والمجتمع الإبداعي اليوم، مشيدًا بالتنوع الرائع الذي يمتلكه المجتمع الإبداعي في سلطنة عُمان، والذي يدمج بين جنسيات، وتخصصات، ومنظورات فنية مختلفة ومتكاملة.
واختتم حديثه بالإشارة إلى تجربته التي قدمت في "ستال غاليري" للفنون بمسقط، حيث التقى الفنانون العُمانيون والعالميون مرارًا في الأشهر التي سبقت افتتاح المعرض الجماعي (في حضرة الغياب)، متبادلين التحدي الفكري لصقل المفاهيم وتقوية الأعمال الفنية، مما يجسد حوارًا حيًّا وقدرة فريدة للفن على صياغة عواطف وملاحظات معقدة وتوصيلها بطرق يسهل على الجمهور الشعور بها والتفاعل معها كإنسانية مشتركة.