صادق بن حسن اللواتي يكتب: المجالس الأهلية بين الملكية الخاصة والوقف

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٩/يوليو/٢٠٢٦ ١٢:٠٩ م
صادق بن حسن اللواتي يكتب: المجالس الأهلية بين الملكية الخاصة والوقف

يُعدّ التكييف القانوني من القواعد الأساسية في الفقه والقضاء، إذ يقوم على إضفاء الوصف القانوني الصحيح على الوقائع والتصرفات وفق حقيقتها الموضوعية، لا وفق الأسماء المتداولة أو الأوصاف العرفية التي يطلقها الناس عليها. فالعبرة ليست بما يُقال عن الشيء، وإنما بماهيته القانونية، وبالأركان والشروط التي يقوم عليها، وبالآثار التي يرتبها النظام القانوني عليه. ومن ثمّ، فإن تحديد الوصف القانوني لأي واقعة لا يكون بالانطباع الاجتماعي أو بطبيعة النشاط الظاهر، بل بمدى تحقق عناصره القانونية المقررة.

وتبرز أهمية هذا المبدأ عند التمييز بين الوقف، بوصفه نظامًا قانونيًا وشرعيًا مستقلًا، وبين المجالس الأهلية التي تمثل ممارسة اجتماعية وثقافية ودينية متوارثة. فالوقف لا يثبت بمجرد تخصيص مكان لإقامة نشاط ديني أو اجتماعي، ولا بمجرد تكرار استعماله لهذا الغرض، وإنما يقوم على تصرف قانوني مخصوص يخرج المال من دائرة الملكية العادية إلى نظام قانوني خاص، مع ما يقتضيه ذلك من توافر الأركان والشروط المقررة شرعًا وقانونًا. أما المجالس الأهلية، فهي في حقيقتها تجمعات تُقام داخل ملكية خاصة، ولا يترتب على انعقادها بذاته أي تغيير في الطبيعة القانونية للعقار.

وعليه، فإن المنازل التي تُقام فيها مجالس الذكر، أو حلقات القرآن، أو اللقاءات الدينية، أو الندوات الثقافية، أو المجالس الاجتماعية، لا تُعد وقفًا لمجرد انتظام هذه الأنشطة أو استمرارها زمنًا طويلًا. فثبوت صفة الوقف لا يكون بالاستعمال المتكرر، وإنما بتصرف قانوني واضح تتوافر فيه إرادة الواقف في تخصيص المال تخصيصًا دائمًا وفق الأحكام المنظمة للوقف. فإذا بقي العقار على ملك صاحبه، ولم يثبت انتقاله إلى نظام الوقف، فإنه يظل محتفظًا بوصفه القانوني الأصلي، ولا يكتسب صفة قانونية جديدة بسبب طبيعة ما يُمارس داخله.

كما يقتضي التكييف القانوني الفصل بين النشاط والمكان، وعدم الخلط بين طبيعة الفعالية المقامة داخل العقار وبين المركز القانوني للعقار نفسه.

 فإقامة مجلس علم، أو مجلس عزاء، أو مناسبة دينية، أو لقاء اجتماعي داخل منزل خاص، لا تؤدي إلى تحويله إلى وقف أو دار عبادة، لأن هذه الأوصاف لا تثبت بمجرد الاستعمال، وإنما بقيام سببها القانوني الصحيح. فالمكان لا يتغير وصفه القانوني لمجرد أنشطة تُمارس فيه، ما دام لم يصدر بشأنه تصرف منشئ للأثر القانوني المطلوب.

وقد جرى العرف في المجتمعات الإسلامية على استخدام المنازل والمجالس الخاصة لاستضافة المجالس الدينية والثقافية، وحلقات العلم، ومجالس الإصلاح والتشاور، باعتبارها جزءًا من الموروث الاجتماعي، من دون أن يترتب على ذلك اكتساب تلك المنازل وصفًا قانونيًا مغايرًا لطبيعتها الأصلية. فالممارسة الاجتماعية، مهما كانت متكررة أو راسخة، لا تنشئ بذاتها مركزًا قانونيًا جديدًا، ما لم تقترن بتصرف قانوني يترتب عليه هذا الأثر.

ومن ثمّ، فإن الخلط بين النشاط والوصف القانوني للعقار يؤدي إلى نتائج غير منسجمة مع قواعد التكييف القانوني، لأنه يفضي إلى ترتيب آثار قانونية على وقائع مادية لم تستوفِ أسبابها المنشئة. فليس كل مكان تُقام فيه المجالس الدينية أو تُتلى فيه آيات القرآن أو تُعقد فيه المناسبات الدينية يصبح وقفًا أو مؤسسة دينية، لأن الوصف القانوني لا يستمد من موضوع النشاط، وإنما من حقيقة التصرف القانوني الذي أنشأه.

وبناءً على ذلك، فإن سلامة التكييف القانوني تقتضي التمييز بين الوقف باعتباره نظامًا قانونيًا مستقلًا له أركانه وآثاره الخاصة، وبين المجالس الأهلية باعتبارها صورة من صور التنظيم الاجتماعي والثقافي والديني. وهذا التمييز يحفظ دقة المفاهيم القانونية، ويمنع إسباغ أوصاف لا سند لها على وقائع لا تستوفي شروطها، ويؤكد أن العبرة في القانون بحقيقة التصرف وآثاره، لا بطبيعة النشاط الذي يُمارس فيه أو بالوصف الذي جرى العرف على إطلاقه.