
مسقط - الشبيبة
تُقاس الإنسانية الحقيقية بمدى العطاء والتفاني في إنقاذ الأرواح، والقدرة على التجسير بين الثقافات دون قيد أو شرط. وفي تاريخ الرعاية الصحية المدنية الحديثة في سلطنة عُمان، يبرز اسم الدكتور وليام ويلز ثومز كأحد أنقى النماذج التي تجسد هذا الفكر الإنساني الرفيع.
ورغم أن الاسم الأصلي للعائلة هو ثومز Thoms، إلا أن العُمانيين تداولوه شعبيًا بصيغة «توماس» أو «الدختر توماس»، وهي التسمية التي التصقت به في الذاكرة المحلية حتى اليوم.
فقد كرس هذا الطبيب أكثر من ثلاثة عقود من عمره في خدمة العُمانيين، ووقف إرثه شاهدًا استثنائيًا على نبل المهنة؛ إذ اتسم باحترام مطلق لعقيدة المجتمع وثقافته، متمسكًا برسالته الطبية السامية بعيدًا عن أي مساعٍ للتغيير العقائدي، رغم كونه جزءًا من إرسالية كنسية.
ولد الدكتور توماس في البحرين عام ١٩٠٣ لعائلة من الأطباء المبادرين، وعاش تفاصيل الواقع الصحي الصعب للمنطقة منذ طفولته. ورغم رحيل والديه وهو لا يزال غض الإهاب، إلا أنه عاد إلى الولايات المتحدة ليتلقى تعليمه الطبي، متخرجًا في كلية الطب بجامعة ميشيغان. وبدلًا من السعي وراء مسيرة مهنية مدرة للمال في أمريكا، اختار العودة إلى منطقة الخليج العربي التي أحبها. وكخطوة أساسية لتعميق تواصله مع المجتمع، استقر في البصرة بالعراق لفترة كافية حتى أتقن اللغة العربية وعاداتها إتقانًا تامًا.
وفي ذاكرة مسقط القديمة، لم يكن مرضى الجذام مجرد مرضى، بل فئة معزولة تعيش خارج المدينة تقريبًا، يحيط بها الخوف والوصمة الاجتماعية. وقد وصفت تقارير الإرسالية الأمريكية في بدايات القرن العشرين مشاهد مؤلمة لمصابين يفترشون الطريق بين مسقط وسداب طلبًا للصدقة، بينما يتجنبهم الناس خشية العدوى.
تلك المشاهد التي رآها توماس صغيرًا تركت أثرًا عميقًا في نفسه، ولم تدفعه إلى النفور، بل أيقظت داخله حسًا إنسانيًا مبكرًا دفعه لاحقًا إلى دراسة الطب والعودة لخدمة المرضى والمنبوذين اجتماعيًا.
وفي عام ١٩٣٩، حط الدكتور توماس رحاله في عُمان ليتولى إدارة المستشفى الإرسالي في مسقط ومطرح وكبير أطبائه الجراحين. وبفضل نشأته في المنطقة، كان يمتلك فهمًا ثقافيًا واجتماعيًا عميقًا، فضلاً عن علاقة الصداقة والزمالة التي ربطته منذ الطفولة بالسلطان سعيد بن تيمور، مما مهد لبناء جسور متينة من الثقة المتبادلة مع القيادة العُمانية والأهالي على حد سواء.
وتكشف بعض الروايات التاريخية عن طبيعة تلك العلاقة الإنسانية التي نشأت بين الطبيب الأمريكي والمجتمع العُماني وقياداته الدينية آنذاك. ففي كتاب “المسيحيون في عُمان” للمؤلف Ray F. Skinner يرد وصف لأول لقاء جمع الدكتور توماس بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي في الرستاق عام ١٩٤٠، حيث استُقبل بالقهوة والحلوى وماء الورد وفق التقاليد العُمانية.
وخلال اللقاء سأل الإمام عن سبب تركهم بلادهم والقدوم للعمل في مسقط، فأوضح توماس ورفاقه أنهم جاءوا استجابة لتعاليم المسيح في علاج المرضى وتعليم الناس. وعندما أكدوا إيمانهم بالله الواحد، أجاب الإمام الخليلي قائلاً: «أنتم لستم عبدة أوثان ولا كفارًا، بل من أهل الكتاب… نعتقد أنكم مخطئون في بعض معتقداتكم، لكننا نحترمكم لأنكم تخافون الله… ويمكنكم السير بأمان في بلادنا».
ثم دعا لهم بالتوفيق والحكمة في علاج المرضى، وأمر بتوفير دليل يرافقهم إلى مريضهم. وقد شكل ذلك اللقاء بداية علاقة طويلة وودية بين الطبيب الأمريكي والإمام الذي وصفه الكتاب بأنه “قائد روحي مسلم استثنائي”.
حين بدأ الدكتور توماس عمله، كانت عُمان تفتقر إلى البنية التحتية والمستشفيات الحديثة. وبمعاونة زوجته "بيث سكودر"، التي تولت إدارة العمليات والتشغيل، استطاع تحويل العيادات البدائية إلى مؤسسات صحية رائدة. وخلال الحرب العالمية الثانية، ومع انقطاع خطوط الإمداد الدولية، تحمل عبء الطوارئ الطبية في البلاد بمفرده بوصفه الجراح الوحيد المستقر في عُمان آنذاك. وقد عُرف كطبيب عيون بارع، حيث أعاد نعمة البصر لآلاف المواطنين الذين عانوا من المياه البيضاء (الكاتاراكت) والتراخوما.
كما كان له دور محوري في توسعة مستشفى الرحمة بمطرح، وتأسيس أجنحة متخصصة لعلاج الجذام، والسل، والأمراض المعدية الأخرى. ولم تقف الرعاية التي يقدمها عند حدود الجغرافيا؛ فحين كان يتعذر على المرضى القدوم إلى مطرح، كان الدكتور توماس يحزم معداته الطبية على متن الجمال والحمير، منطلقًا في رحلات شاقة نحو الولايات الداخلية والبلدات الجبلية البعيدة لعلاج القرويين والبدو الرحل. وبحلول الستينيات، وتحت إشرافه الإداري والطبي، باتت شبكة المستشفيات هذه تدير أكثر من ٩٠ ألف حالة سنويًا، لتصبح ثاني أكبر جهة توفر العلاج في عُمان بعد الجيش السلطاني آنذاك.
ورغم المكانة الإنسانية الكبيرة التي حظي بها «الدختر توماس» في الذاكرة العُمانية، فإن وجود البعثات الطبية الأجنبية في الخليج وعُمان لم يكن منفصلًا تمامًا عن السياق التبشيري الغربي في تلك المرحلة التاريخية.
فقد أشار الباحث العُماني د. ناصر حمد العزري، في دراسة منشورة بالمجلة الطبية لجامعة السلطان قابوس بعنوان “Sent to Explore, Conquer and Heal”، إلى أن الإرساليات الإنجيلية الأمريكية رأت في الطب وسيلة فعالة للوصول إلى المجتمعات المحلية في الجزيرة العربية، بعد أن أدرك المبشرون صعوبة تحقيق اختراق ديني مباشر داخل المجتمعات المسلمة المحافظة. ولهذا أصبح “شفاء الأجساد” بوابة لمحاولة “هداية الأرواح”، بحسب توصيف الدراسة.
وتشير الدراسة إلى أن الإرسالية العربية الأمريكية بدأت نشاطها في عُمان عام ١٨٩٣، وأن الطب لعب دورًا محوريًا في بناء حضورها داخل المجتمع، خصوصًا بين الفقراء والمرضى والمصابين بأمراض مزمنة ومنبوذة اجتماعيًا كالجذام.
كما لفتت إلى أن الخدمات الطبية الإنسانية التي قدمها الأطباء والممرضون الأمريكيون، رغم ارتباطها الفكري بالمشروع التبشيري، نجحت في الوصول إلى قلوب كثير من العُمانيين الذين رأوا في هؤلاء الأطباء نماذج إنسانية صادقة تعيش بينهم، وتأكل طعامهم، وتشاركهم معاناتهم اليومية.
ومع ذلك، تؤكد التجربة العُمانية أن محاولات التنصير لم تحقق النجاح الذي كانت تتطلع إليه الإرساليات، إذ ظل المجتمع العُماني متمسكًا بهويته الإسلامية والدينية والثقافية.
وفي المقابل، بقي الأثر الأعمق والأكثر رسوخًا هو الإرث الطبي والإنساني الذي ساهم في إدخال الطب الحديث وتخفيف معاناة آلاف المرضى في مرحلة كانت البلاد تفتقر فيها إلى أبسط الخدمات الصحية الحديثة. وربما لهذا السبب احتفظ العُمانيون بذكرى «الدختر توماس» بوصفه طبيبًا وإنسانًا قبل أي شيء آخر، حتى صار اسمه جزءًا من الذاكرة الشعبية العُمانية نفسها.
إن ما رفع مكانة الدكتور توماس إلى مرتبة "الأسطورة الإنسانية" في الوجدان العُماني هو وضوحه الأخلاقي الشديد. فرغم عمله تحت مظلة الإرسالية العربية للكنيسة المصلحة في أمريكا، إلا أنه آمن بيقين راسخ بأن تفويض الطبيب الأوحد هو العلاج وإرساء قيم الرحمة، وليس استغلال حاجة المرضى لتغيير دينهم. وفي زمن كانت فيه بعض الجماعات الإرسالية حول العالم تواجه انتقادات لربطها المعونات الطبية بالتبشير، وضع الدكتور توماس حدًا أخلاقيًا صارمًا وفصلًا تامًا بين العمل الإنساني والأجندة الدينية.
لقد أبدى احترامًا عميقًا ومطلقًا للدين الإسلامي والتقاليد الأصيلة للشعب العُماني، مؤمنًا بأن جوهر الرسالة الإنسانية يتجسد في العطاء الصادق والخدمة المجردة، لا في البروباغندا الدينية.
عامل مرضاه بكرامة بالغة، وصبّ جل تركيزه على تخفيف معاناتهم الجسدية. ولأنه لم يحاول يومًا المساس بالهوية الدينية لمن يطببهم، حظي بمحبة وتقدير جارفين من المجتمع العُماني بكافة أطيافه، وصار يُنظر إليه لا كأجنبي يحمل غاية خفية، بل كـ«حكيم» حقيقي ونبيل.
تقاعد الدكتور توماس وزوجته في عام ١٩٧٠، بالتزامن مع فجر النهضة العُمانية الحديثة. وكان قد أنفق كل مدخراته وموارده الشخصية في سبيل رعاية مرضاه، ليرحل عن الدنيا فقيرًا من المال، لكنه كان ثريًا بمحبة أمة بأكملها. غيبه الموت في ١٧ أكتوبر ١٩٧١، واختار أن يوارى ثرى مسقط التي أحبها. ونُقش على شاهده عبارة مأثورة بالإنجليزية تلخص فلسفة حياته الزاهدة: “Such as I have give I thee”، وهي اقتباس من الإنجيل يترجم في السياق إلى: «الذي لي فإياه أعطيك».
وتحمل هذه العبارة المقتبسة دلالة فلسفية بليغة؛ فالآية في أصلها الديني تبدأ بـ«ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك»، وهو ما جسده الدكتور توماس في واقع حياته حرفيًا.
فقد اختار ألا يلتفت إلى بريق الثروة أو يجمع الفضة والذهب، بل آثر أن يهب الشيء الوحيد والنفيس الذي كان يملكه، وهو علمه الطبي الخالص ومهارته الجراحية الفذة، ليقدمها كاملة وبالمجان كقربان لشفاء العُمانيين. وبعد مرور عقود على رحيله، لا يزال الأثر الذي تركه عصيًا على النسيان، حيث أثبت «الدختر توماس» أن الرسالة الطبية السامية تتجاوز الحدود واللغات والأديان، تاركًا خلفه إرثًا من الإنسانية الخالصة في قلب عُمان.