
عندما نستعرض تاريخ السياسة العربية، لا يسعنا إلا أن نقف بحزن أمام المقارنة بين جيل زعماء رغم كل عثراتهم، كانت لهم "كلمة" قادرة على تغيير الموازين، وبين واقع اليوم الذي تحولت فيه قضايانا المصيرية إلى مجرد بنود مؤجلة على جداول أعمال لا تخدم إلا المصالح الخارجية.
لقد قامت "جامعة الدول العربية" لتكون بيتاً جامعاً، لكن التاريخ يخبرنا أنها لم تكن يوماً فاعلة بذاتها، بل كانت تستمد قوتها من "هيبة" الزعماء المحركين لها. في عام 1961م، لم يكن قرار الجامعة بحماية الكويت مجرد إجراء إداري، بل كان لصوت جمال عبد الناصر الذي أرعب الطموحات الضيقة بتهديد صريح بالتدخل. وفي لبنان، لم تحرك الجامعة ساكناً إلا عندما قررت دمشق التدخل بجيشها، ليرتدي ذلك التدخل عباءة الجامعة لاحقاً كـ"قوات ردع".
وهنا تبرز الفجوة المؤلمة، فقد تحولت الجامعة من "ساحة للتنسيق" بين أقطاب عربية قوية، إلى "قاعة انتظار" اليوم لإملاءات القوى الدولية. في الماضي، كان للقرار العربي "ثمن" يُحسب له ألف حساب في واشنطن وموسكو وتل أبيب، ليس حباً فينا، بل خوفاً من اصطفاف عربي قد يغير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. أما اليوم فقد تم تفكيك هذا الاصطفاف وتحويله إل جزر معزولة، تبحث كل واحدة منها عن نجاة منفردة، مما جعل من الجامعة جسداً بلا روح، تُدار بالريموت كنترول لإرضاء القوى التي لا تريد للعرب قائمة.
نقف اليوم أمام مشهد مغاير تماماً. انظروا إلى غزة الجريحة، وشعبها الصابر المسكين الذي يُذبح على مرأى ومسمع من الجميع. أين هي الأدوار "الفعالة" التي ننتظرها؟ لقد سقط القناع عن النظام الرسمي العربي الذي اكتفى بدور "المتفرج" أو "الناشد" للسلام، بينما تملك العواصم العربية من أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية ما يكفي لزلزلة القرار الدولي، لكنها آثرت الصمت لضمان التحالفات الضيقة.
إن ما يدمى القلب ليس مجرد العجز العسكري، بل هو التخلي الأخلاقي والسياسي، فغزة اليوم لا تواجه العدوان وحدها، بل تواجه خذلان ذوي القربى الذين ارتضوا أن تكون الجامعة أداة لشرعنة الضعف وتمرير التنازلات تحت مسميات "الحكمة" و"الواقعية". لقد أصبحت هذه الجامعة مجرد وسيلة لامتصاص الغضب الشعبي غطاءً لسياسات تهدف لتصفية القضية الفلسطينية إرضاءً لوعودٍ واهية.
إن الفرق بين الأمس واليوم يكمن في "الإرادة". لقد رحل الكبار الذين كانت فلسطين بالنسبة لهم بوصلة لا تحييد، وجاء زمن يُقاس فيه النجاح السياسي بمدى التناغم مع الإملاءات الخارجية. إن ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد مأساة إنسانية، بل هو شهادة وفاة للعمل العربي المشترك بصيغته الحالية.
نكتب هذه الكلمات لا للمدح أو الثناء، بل لنورث أحفادنا الحقيقة كما هي: إن كرامة الأوطان لا تُحفظ ببيانات الاجتماعية، بل بوقفة عز ترفض الهوان، وتضع مصلحة الإنسان العربي فوق كل اعتبار.