
أُشفق على الإعلاميين في وسائل الإعلام العاملين في الجهات الحكومية والخاصة وهم يعملون على مدار الساعة والأسبوع؛ سواء في أماكن العمل أو خارجها، حتى في إجازاتهم هم في حالة عمل بدون أن ينظر أحد إلى أوضاعهم وأحوالهم، لا جهات إعلامية، ولا وزارات أو هيئات أو شركات.
وبذلك تتزايد معاناتهم يومًا بعد الآخر خاصة بعد توسع أعمالهم لتغطي منصات التواصل الاجتماعي ومتابعتها، والرد عليها ورصد كل ما يُبث ويُنشر من بيانات وفيديوهات، بعضها تحمل إساءات أو انتقادات أو فبركات، إلى غير ذلك من أحوال يعايشونها وهي أشبه بحالات الطوارئ الدائمة إذا جاز لنا التعبير.
وقائع يعايشها الإخوة والأخوات والزملاء في المهنة الموصوفة بـ(مهنة البحث عن المتاعب) فهذا المصطلح لم يأتِ من مصدر عربي كما يُعتقد البعض، بل إنه شاع في الولايات المتحدة الأمريكية في إشارة للصحفيين الذين يركبون الأمواج العالية المهلكة في بحثهم المضني عن الفساد والمفسدين في مطلع القرن العشرين.
وأول من أطلق وصفًا مشابهًا لذلك هو الرئيس الأمريكي روزفلت، الذي استخدم مصطلح “Muckrakers” أي المنقبون عن الأوساخ، ورغم بشاعة الوصف غير أنه أصبح لاحقًا وسامًا للصحافة الاستقصائية نظيفة الفم واليدين والقدمين، وبما أن الصحفي وفي مطلق الأحوال يبحث بإرادته الحرة عن القضايا الصعبة والمغلّفة بهالات من الضباب السام، ويواجه جهات نافذة، بعدها تحور المعنى إلى لفظ جميل ومقبول ويُعتد به وهو (مهنة البحث عن المتاعب).
والآن وفي التوّ أضحى المعنى مهنة البحث عن المتاعب (المضاعفة) بدون أن يطرف جفن مسؤول إزاء معاناتهم، ومن ثم منحهم علاوات ومكافآت نظير جهدهم هذا الخارق النبيل، وقد لا ينالون كلمة شكر أو ثناء أو تقدير، وقد يقفون أمام المحاكم إزاء أخطاء ناتجة من تعرضهم لأعاصير وأمواج عاتية، الأمر الذي يتطلب مراجعة هذا الواقع المرير في العمل الإعلامي بنحو جذري إذا رغبنا في أن تكون لدينا أجهزة إعلامية ودوائر إعلام فاعلة وقادرة على مواكبة التطورات ومجابهة الضغوط على اختلافها.
بلا شك أنّ العمل الإعلامي ومن واقع خبرة ميدانية تزيد على 30 عامًا هو في حقيقته محرقة مشتعل أوارها آناء الليل وأطراف النهار، والإعلامي إزاءها شمعة تحترق من لهيب لا يعرف معنى الرحمة احتراقا طاهرا ليضيء الطريق للآخرين بعد إزاحته أرتال الظلمة ودياجير الليل البهيم.
غير أنّ الذين تُضاء لهم الطرق بعد احتراق مميت، ينسون عن قصد أو غيره أولئك الذين قدموا هذه التضحيات الجسام التي لا تُقدر بثمن، لذلك كلما أجد إعلاميًّا سواء يعمل في جهاز إعلامي أو دائرة في جهة حكومية، وأسأله السؤال البريء العفيف عن (العلوم والأخبار)، تأتي الإجابة كسيحة ومضرجة بالدماء (الأحوال صعبة) ويصمت بعدها تأدبًا عن القول (وستظل كذلك) فهو يعلم بألا شُكر سيأتي على عمل حتى لو بلغ صيته عنان السماء وصفقت له الخلائق من إنس وجن وجبال وأشجار.
وبالتالي وحتمًا لا مكافأة جهد هناك ولا ثناء على عرق عزيز سال.. هو جهد خارق يُبذل على مدار الأسبوع بدون هوادة، وفي صبيحة كل يوم جديد تظهر تعليمات وتوجيهات بتغيير المسار أو بتعديل الوصف، وفي كل لحظة تأتي تغيرات تنسف القديم وتأتي بجديد، ثم تأتي تعليمات أخرى بتغيير وتعديل التصميم أو بحذفه عشرات المرات ليتسق مع رؤى جهة ما، يحدث ذلك بغض النظر عن عذابات مدير الإعلام أو كاتب المحتوى أو المصمم، الذي ينتظر في لهفة وشوق للحظات التي يطفئ فيها جهازه ليأخذ قسطًا من الراحة، حتى الطعام لا يهنأ بتذوقه بكل أريحية بل يتناوله على عجل بغير أن يعرف نوع وطعم هذا الطعام، فالأيادي دائمًا ملتصقة بأزرار الجهاز، والأذهان مشتتة انتظارًا لتعليمات جديدة تنسف كل الذي كان، ما يحدث وفي حقيقته إرهاقًا ذهنيًا وإنهاكًا جسديًا لا هوادة فيه، هكذا تحترق الشمعة يا سادتي.
إنّ العمل الإعلامي بشقيه الجماهيري والتواصل الاجتماعي له بريق قد يخطف الأبصار، لكن ما خلف تلك المصابيح المزدانة ألقًا وضياءً، هناك جنود يحاربون بالكلمة ويصدون السهام بدروع المنطق الحصيف، هم يحاربون بالكلمة الرصينة العفيفة ويزدرون البذاءة وحشف العبارات والكلمات، ذاك هو الإعلامي في أبهى معانيه، يضحي بأوقات يفترض أنها مقدسة مع أسرته الصغيرة والكبيرة، عيناه أبدًا على شاشة الهاتف يتابع ما يجري لا محليًا فقط بل عبر العالم، يتابع مستجدات الحروب، وما تتمخض عنه المعارك من فواجع ومآسٍ.
لذا تجده دائمًا شارد الذهن في فضاءات لا حدود لها، وحتى عندما يقود سيارته ذهابًا وإيابًا عقله يسافر بعيدًا في مطاردات محمومة مع كل دبيب النمل في كوكب الأرض، ومع هذا وفوق هذا ينتظر في رحابة صدر عتاب وتوبيخ أنّه لم يكن حاضرًا لحظة كسوف الشمس وخسوف القمر، أما أن يتلقى ثناءً وشكرًا وتقديرًا فذلك دائمًا بعيد تمامًا عن عقله وذهنه، أما العلاوات والمكافآت فتلك لا يفكر بها بل يعتبرها جزءًا أصيلًا من علم الغيب والغيبيات التي لن تأتي أبدًا.
اليوم، نقف ونتوقف، ثم ننيخ مطايانا تحت دوحة وارفة الظلال، لنسأل في براءة وتجرد، هل هكذا حال ووضع سيمضي بنا ونمضي به إلى ما لا نهاية، بدون أن يلوح هناك عند خط الأفق أي بصيص أمل في أن يأتي ذلك اليوم الذي تنهال فيه المكرمات والأعطيات والعلاوات الاستثنائية والعادية على هؤلاء الجنود.
وفي إطار خطوة يتحتم علينا النظر إليها كصياغة جديدة لإعلامنا وإقرار عملي بأنه– أي الإعلام– هو خط الدفاع الأول في خضم ما يشهده عالمنا من تحديات غير مسبوقة وفي منطقة إقليمية تمور بالصراعات الدموية فادحة العواقب، تتطلب كوادر قادرة ويقظة ومستعدة للعمل المضني في أحلك الأوقات وأشدها عتمة.
بالطبع نعلم يقينًا بأن لكل عمل ظروفًا وأوضاعًا خاصة به، وفي المقابل يتعين أن يكون هناك مقابل يناظر هذا الجهد وذاك العرق، ليس فقط للأفراد العاملين في هذا الحقل، ولكن للجهات الحكومية كافة، فهذه الخطوات المباركة تعد بمثابة استثمار ذي عائد مضمون ومؤكد إزاء تعزيز مبدأ الإجادة المطلقة والتي يقابلها سخاء مالي كريم، وفي ذات الوقت تكريس سمعة حسنة مفادها أن الجزاء الحسن من جنس العمل الحسن.
نأمل أن تقدر الجهات الإعلامية وأجهزة الدولة كافة جهود الإعلاميين وتخفف العبء الملقى على عاتقهم وتكافئ بسخاء من يعمل في هذا المضمار، وتوجد ما يحفزهم ويعزز عملهم طوال اليوم والأسبوع والشهر، وبخلاف ذلك لن نجد إعلامنا كما نتمنى ونريد ونرغب، اللهم بلّغت.. اللهم فاشهد.