محمد محمود عثمان يكتب: مضيق هرمز.. بين درع الجزيرة والدفاع العربي المشترك

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢١/أبريل/٢٠٢٦ ١٥:٤١ م
محمد محمود عثمان يكتب: مضيق هرمز.. بين درع الجزيرة والدفاع العربي المشترك
يتضح أن فشل منظومة الأمن العربي ليس نتيجة عامل واحد، بل هو نتيجة سلسلة مترابطة من الإخفاقات، تبدأ بانهيار مشروع التصنيع العسكري العربي، وتمر بضعف الإرادة السياسية، وتنتهي بعجز آليات الدفاع المشترك.
لأن الأمن القومي العربي يمثل أحد أبرز التحديات في ظل بيئة إقليمية مضطربة، تتسم بتعدد مصادر التهديد وتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والمصالح الاقتصادية. وقد سعت الدول العربية إلى إنشاء منظومات للدفاع الجماعي، من أبرزها اتفاقية الدفاع العربي المشترك منذ عام 1950، كما برز نموذج إقليمي أكثر فاعلية تمثّل في قوات درع الجزيرة منذ عام 1984.
ولا ننكر أن النظام الإقليمي العربي يتعرض لموجة من التهديدات الأمنية، سواء التقليدية أو غير التقليدية، كما حدث في العراق وسوريا والضفة الغربية وغزة ولبنان والسودان وليبيا، وما يحدث لدول الخليج ومضيق هرمز وأرض الصومال الآن، ما يفرض إعادة تقييم آليات الدفاع الجماعي التي تتصف بالهشاشة، بعد أن أغفلها العرب عمداً أو سهواً، ليقدّموا المنطقة لـ«إسرائيل الكبرى» على طبق من ذهب.
ويُعدّ منها قوات درع الجزيرة كآلية دفاعية خليجية عملية، واتفاقية الدفاع العربي المشترك كإطار قانوني عربي شامل. وبين النموذجين تتجلى فجوة واضحة بين النص والتطبيق.
أولاً: قوات درع الجزيرة – نموذج الدفاع الإقليمي القائم شكلياً والمعطل فعلياً
وقد تأسست عام 1984 تحت مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الصيغة الوحدوية الصامدة شكلياً حتى الآن، بهدف تعزيز الأمن الجماعي لدول الخليج، كقوة عسكرية مشتركة ذات طابع دفاعي تعتمد على التنسيق بين جيوش الدول الأعضاء، في ظل التقارب السياسي وتشابه الأنظمة والمخاطر الإقليمية. وهي تعتمد في الأساس على الإرادة السياسية لكل دولة.
ثانياً: اتفاقية الدفاع العربي المشترك – الإطار القانوني المعطل
وقد أُقرت الاتفاقية عام 1950 في إطار جامعة الدول العربية، ونصت على مبدأ الدفاع الجماعي، واعتبار أي اعتداء على دولة عربية اعتداءً على الجميع. ولكن تطبيق ذلك يتطلب تنسيقاً عسكرياً وسياسياً بين الدول الأعضاء، ويفترض إنشاء هياكل دفاعية مشتركة. غير أنها للأسف تتعثر بفعل تضارب المصالح السياسية، وغياب القيادة الموحدة، وعدم وجود قوة تنفيذية مستقلة عن الحساسيات الشخصية أو المخاوف القطرية، في ظل غياب التوافق الكامل.
لذلك، فضّل البعض الاعتماد على التحالفات الخارجية والقواعد الأجنبية، وظهر ذلك جلياً في الغزو العراقي للكويت، حيث لم تُفعّل الاتفاقية عملياً، وتم اللجوء إلى تحالف دولي نظراً لضعف منظومة الدفاع الجماعي العربي. وبناءً على ذلك، تواجه المنطقة العربية عامةً والخليجية خاصةً تهديدات متعددة؛ أبرزها التهديدات الإقليمية مع تصاعد النفوذ الإقليمي لدول غير عربية، وامتداد النزاعات الجيوسياسية والمطامع في الثروات العربية الطائلة.
بالإضافة إلى الحروب غير التقليدية، كالحرب السيبرانية، والجماعات المسلحة غير النظامية، والإرهاب العابر للحدود، فضلاً عن الخلافات والصراعات الداخلية والطائفية. كما تبرز التدخلات الدولية، وتزايد الاعتماد على القوى الكبرى، وتراجع الاستقلال الاستراتيجي، نظراً لتفكك النظام العربي، وضعف أو غياب التنسيق الجماعي، وتضارب التحالفات، ووهن المؤسسات الإقليمية وفي مقدمتها جامعة الدول العربية.
ولمواجهة هذه المخاطر، لا بد من تطوير قوة عربية مشتركة فعلية، وتقليص الخلافات السياسية تمهيداً لإنشاء قيادة عسكرية موحدة. والأهم من ذلك تفعيل الاتفاقيات القائمة، بدلاً من الاكتفاء بالنصوص الصماء، والاستفادة من نماذج ناجحة مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
فكشفت قوات درع الجزيرة واتفاقية الدفاع العربي المشترك عن حقيقة جوهرية، وهي أن فعالية الدفاع الجماعي لا تقوم على النصوص القانونية وحدها، بل على الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية. وفي ظل التحديات المتزايدة، فإن استمرار الوضع الراهن قد يفاقم المخاطر على الأمن القومي العربي، ما لم يتم الانتقال من مرحلة التنظير إلى مرحلة الفعل والتنفيذ.
لأن نجاح أي منظومة دفاع جماعي يرتبط بمدى توافر الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية، حتى لا تظل قوات درع الجزيرة واتفاقية الدفاع العربي المشترك حبيبة إطار قانوني غير مُفعّل. وفي ظل التحديات المتزايدة، يصبح من الضروري إعادة هيكلة النظام الدفاعي العربي بما يحقق الأمن والاستقرار لدول وشعوب المنطقة.
لذلك، يبدو جلياً أهمية الإسراع بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك عملياً، وإنشاء قيادة عسكرية عربية موحدة، وتطوير قوات تدخل سريع عربية، من خلال تعزيز التكامل العسكري العربي، وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية، وإحياء قاعدة للصناعات العسكرية العربية، بعد أن فشل مشروع الهيئة العربية للتصنيع التي تأسست عام 1975 بمشاركة عدة دول عربية (مصر، والسعودية، والإمارات، وقطر)، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري، وتقليل الاعتماد على السلاح الأجنبي، وإنشاء قاعدة صناعية عسكرية مشتركة، تمثل الذراع الصناعية المكملة لأي نظام دفاع عربي. غير أنه عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، سارعت الدول العربية المشاركة إلى الانسحاب من الهيئة دون تدبّر، وسُحب التمويل والاستثمارات بسبب الخلافات السياسية الحادة، وربط التعاون العسكري بالمواقف السياسية، في ظل عدم وعي أو نضج سياسي يميز بين الأمن القومي والخلافات الدبلوماسية.
ولا شك أن ذلك أفقد الدول العربية استقلالها العسكري، وجعلها تعتمد على استيراد السلاح، مما أضعف القدرة على اتخاذ قرار عسكري عربي مستقل، وانعدم معها القدرة على مواجهة التهديدات والتحديات بشكل جماعي. وهذا يتناقض مع جوهر اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي تفترض قدرة دفاعية ذاتية مشتركة. وقد ساعد ذلك على بروز تحالفات فرعية بديلة عن المنظومة العربية الشاملة، مما أضعف التكامل الدفاعي، لا سيما في ظل صعوبة توحيد التسليح والأنظمة العسكرية نظراً لافتقار المنطقة إلى قاعدة صناعية عسكرية مشتركة تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي. ومن الجدير بالذكر أن انسحاب الدول العربية من الهيئة العربية للتصنيع لم يكن مجرد قرار اقتصادي أو سياسي عابر، بل شكّل نقطة تحول استراتيجية أدت إلى تفكيك أحد أهم أعمدة الأمن القومي العربي، وهو التصنيع العسكري المشترك. وقد انعكس ذلك مباشرة على ضعف تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، واستنزاف ميزانيات التسليح العربية لصالح صناعات الدفاع الغربية والأمريكية.
لأن فشل منظومة الأمن العربي ليس نتيجة عامل واحد، بل هو نتيجة سلسلة مترابطة من الإخفاقات، تبدأ بانهيار مشروع التصنيع العسكري العربي، وتمر بضعف الإرادة السياسية، وتنتهي بعجز آليات الدفاع المشترك.
وجاء إعلان دمشق عام 1991 عقب حرب الخليج الثانية، وهو تحالف أمني سياسي-عسكري وليس اتفاقية رسمية ملزمة، ضمّ دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومصر وسوريا، بهدف إنشاء نظام أمني عربي جديد لحماية منطقة الخليج وتقليل الاعتماد على القوى الأجنبية. وقد شكّل محاولة «مرنة» لتعويض فشل اتفاقية الدفاع العربي المشترك.
ولكن تؤكد تجربة إعلان دمشق أن محاولات إصلاح منظومة الأمن العربي بعد الأزمات الكبرى ظلت رهينة التوازنات السياسية والاعتماد على القوى الخارجية، مما أدى إلى فشلها في بناء نظام دفاع جماعي مستدام. وهو بذلك يُجسّد غياب التكامل بين الإرادة السياسية، والصناعة العسكرية، والقدرة التنفيذية، بما يمثل السبب الجوهري لضعف الأمن القومي العربي.
رغم امتلاك العالم العربي واحداً من أكبر تجمعات الثروة العالمية (الطاقة، الفوائض المالية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي)، إلا أن هذه الموارد لم تتحول إلى قوة أمن جماعي فعّالة. في المقابل، نشأ فراغ أمني واسع سمح بتوسع النفوذ العسكري الخارجي عبر قواعد عسكرية دائمة وتحالفات غير متكافئة.
وهنا تبرز معادلة متعددة الأطراف، يتمثل جوهر التناقض فيها في وجود: «ثروة كبيرة + أمن ضعيف = اعتماد خارجي متزايد». ونتيجة لذلك، أصبحت الثروة العربية قوة غير مُفعّلة، رغم امتلاك الدول العربية احتياطيات نفط وغاز ضخمة، وصناديق سيادية تتجاوز تريليونات الدولارات، بالإضافة إلى موقع جغرافي يتحكم في أهم الممرات البحرية العالمية.
ومع إنفاق عسكري خليجي فقط -بخلاف باقي الدول العربية- بلغ، وفقاً للمؤسسات المتخصصة في السنوات الأخيرة، نحو 115-135 مليار دولار سنوياً، لم يُترجم إلى منظومة ردع إقليمي مستقلة أو صناعات دفاعية مشتركة. ليصبح بذلك مستقبل الدول العربية رهيناً بكيانات ضعيفة، وتصبح معها الثروة «الاقتصادية العربية» بلا ترجمة استراتيجية.