الممرات البحرية الدولية تمثل عصب التجارة العالمية، إذ تمر عبرها النسبة الأكبر من السلع الاستراتيجية وسلاسل الإمداد، وعلى رأسها النفط والغاز. وقد تتعرض لعمليات قرصنة ممنهجة من بعض الدول، لذلك يتحتم حمايتها بالقانون الدولي، بعد أن أثبتت التجارب التاريخية أن أي تعطيل لهذه الممرات يؤدي إلى آثار اقتصادية وسياسية تطول دول العالم واقتصاداته أجمع.
وإذا خرجت هذه الممرات عن الإطار القانوني المنظم للملاحة الدولية، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) التي أرست مجموعة من المبادئ الأساسية، وأهمها نظام المرور العابر الذي يُطبق على المضايق الدولية، ويمنح حرية الملاحة للسفن وحرية التحليق للطائرات، وعدم جواز إيقاف أو تعطيل المرور. وفي ذلك تقييد لسيادة الدولة الساحلية، فعلى الرغم من خضوع أجزاء من المضايق لسيادة الدول، فإن هذه السيادة ليست مطلقة، ولا يجوز استخدامها لتعطيل الملاحة الدولية؛ لأن حرية الملاحة تُعد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، خاصة في الممرات ذات الطابع الدولي.
وقد شهدت منطقة الخليج العربي من قبل التعطيل العسكري للممرات من خلال حرب الناقلات التي استمرت من عام 1980 إلى عام 1988، وذلك إبان الحرب بين إيران والعراق، حيث تم استهداف ناقلات النفط في الخليج. وتعرضت الملاحة لتهديد مباشر، ويُعد استهداف الملاحة استخداماً للقوة يترتب عليه مسؤولية دولية ويخضع لميثاق الأمم المتحدة. وهذا لا ينطبق على التعطيل الكامل كما حدث لقناة السويس في الفترة من 1967 إلى 1975، التي تمر في الأرض المصرية نتيجة الحرب العربية الإسرائيلية، بعد أن أُغلقت القناة بالكامل وتوقفت حركة الملاحة، ما أدى إلى اضطراب التجارة العالمية وزيادة تكاليف النقل بعد اللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
وتعرضت مصر لضغط دبلوماسي دولي لإعادة فتح القناة، ولكن اعتُبر الإغلاق حدثاً استثنائياً مرتبطاً بالحرب، حتى قام الرئيس السادات بإعادة الملاحة بها بعد انتهاء الحرب. وهذا بخلاف التعطيل الاقتصادي كما في فنزويلا، حيث لم يتم إغلاق الممر البحري، لكن فُرضت عقوبات اقتصادية منها تقييد تصدير النفط، وحظر التعامل المالي، ومنع شركات الشحن، والقيود على التأمين البحري. وأدى ذلك إلى انخفاض حاد في الصادرات وعزوف الشركات الدولية.
أما في حالات التعطيل العسكري، فإن موقف المجتمع الدولي هو التدخل السريع والحاسم بقرار من مجلس الأمن. وهذا ما يجعل إعلان ترامب محاصرة المضيق أمراً يُعد قرصنة أو بلطجة أو منطق راعي البقر (الكابوي)، إذ إن ترامب ليس من دول المنطقة، ولم يُخوله العالم للقيام بذلك بعد أن نصب نفسه رئيساً للعالم. وقد تساعده إيران، بإعلانها إغلاق المضيق -ولو بدون قصد- على التمركز بقواته في مضيق هرمز الاستراتيجي، بعد أن أطلق على المضيق اسم مضيق ترامب.
إن سلوك إيران سوف يعطي الفرصة لترامب للتواجد في المضيق للمشاركة في العائد وحماية المضيق، ولا سيما أن ترامب وقّف من قبل اتفاقية مع جماعة الحوثي تضمن عدم الاعتداء على السفن والقوات الأمريكية المتواجدة في مضيق باب المندب. وعلينا اليقظة وألا نغفل أو نتغافل عن هذا التصريح، لأن ترامب يريد أن يتحكم في نفط المنطقة بالكامل كما حدث في فنزويلا، وهو يضع عينه على التمدد الصيني واقتصاده القوي الذي يعتمد بصفة أساسية على نفط المنطقة.
في الوقت الذي تطالب فيه إيران بفرض رسوم على المرور عبر المضيق -وهو ممر دولي تطل عليه أيضاً سلطنة عمان التي لم تطالب بذلك احتراماً للقوانين الدولية وقانون البحار- للتعويض عن خسائرها من الضربات الأمريكية الإسرائيلية، في الوقت الذي لم تطالب فيه أمريكا وإسرائيل بالتعويض. وقد أعلن وزير الخارجية العماني صراحة وفي أكثر من مناسبة أن السلطنة تحترم القانون الدولي وقانون البحار، ومعنى ذلك أنها لا تتفق مع إيران في هذا الطرح المخالف للقانون الدولي.
وهنا لابد من وقفة للمجتمع الدولي من خلال دعوة مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات التي نظمها قانون الملاحة في البحار، وألا يترك العالم الساحة للرئيس الأمريكي يعربد فيها كيف يشاء، وألا يسمح لإيران بفرض رسوم على المرور. لأن الإطار القانوني للممرات البحرية الدولية أرسى مبدأً أساسياً يتمثل في نظام المرور العابر الذي يطبق على المضايق الدولية مثل مضيق هرمز، بما يضمن حرية الملاحة وعدم جواز الإغلاق. ورغم خضوع أجزاء من المضيق لسيادة الدول الساحلية، إلا أن هذه السيادة مقيدة ولا يجوز استخدامها لتعطيل الملاحة الدولية. وعليه، فإن أي إغلاق لمضيق دولي يُعد خرقاً صريحاً للقانون الدولي، كما أن غلق مضيق هرمز يمثل نقطة اختناق عالمية، حيث تمر منه نسبة كبيرة تقدر بنحو 20% من صادرات النفط العالمية.