
أكتب من بيروت بأعصاب ملت الفواجع لكثرة ما عاشته وشاهدته .. في كل يوم من أعمارنا المختلفة نفتش عن اليوم التالي ولا نصل إليه .. نحلم به ويبقى خيالا يراوح البال .
نقرا التحليلات الصحافية ونسمع مثيلها في المحطات التلفزيونية والإذاعية ونظل ندرك أنها لا تعرف ما عليها أن تعرف .. وفي لحظات المصير يعشق المرء حياته أكثر فيتأمل ، لكن اليوم التالي لا ياتي بالعواطف ولا بالآمال ولا بالأحلام ، هنالك دائما ما يقوى عليها كلها ، إنه الصراع المكتوب على وجوه أبناء الشرق الأوسط العرب ، وفي كلماتهم ، وفي نظرتهم للبعيد من الحلول التي كانت دائما لا تأتي .
ها هي الصراعات تتمدد ، إيران تقصف الخليج العربي بأهله وموجوداته فينمو الحقد لديه .. بالأمس كنا أصدقاء ، جيران في الجغرافيا وفي المصالح ، واليوم يتبدد المشهد ، ويصبح الثأر مصدرا لعلاقة أخطأ الإيراني في ما ينفذه .. فمنبوذ في المستقبل ! .
ها هو الشرق الأوسط يتحرك على إيقاع مفقود فيه اليوم التالي .. ثمة خليج عربي كما قلنا ما زالت أنفاسه تتحرك على قاعدة أن الإيراني يضربه بصواريخه دون حساب للواقع النفسي لما وقع من حقد وضغينة .. فمن يغسل هذا التاريخ الأسود وقد نما الخوف لدى أهله وأناسه وأطفاله ، وصار عليه محوها قبل استفحالها .. لكن الإيراني ألزم نفسه بقساوة نيرانه ، فهو لن يخرج منها معافى حتى لو تعافى !,,
وفي لبنان ، أخذ حزب الله مجتمعه إلى دورة عنف ستطاله وتطال جمهوره وكل لبنان بالتالي .. إنه الإنغماس بمعركة يكررها ، خسرها يوم إسناد غزة وقتل فيها جل قيادته وقواه العسكرية ، وها هو يتعرض لخسارتها مرة أخرى ، خصوصا بعد قيام الجيش الإسرائيلي باجتياح الجنوب اللبناني حاليا .. فالخطة الإسرائيلية من الواضح العودة إلى إقامة شريط أمني جديد على غرار ما كانه في السابق .. فما قيمة ما يفعله هذا الحزب وما جدواه سوى صراعه المفتوح والممكن مع الدولة اللبنانية التي أعلنت حظر أنشطة هذا الحزب العسكرية والأمنية واعتبارها خارجة عن القانون . ؟!! .
المشاهد تتكرر ، واليوم التالي لا يأتي .. كلٌّ هندَسًه على طريقة مفهومه له .. الأميركي والإسرائيلي يؤكدان عدم التراجع حتى إنجاز المهمة ، التدمير الشامل إلى إسقاط نظام مبثوث في كل ركن من أركان إيران ، وهل يمكن للطيران وحده أن يمسح واقعا برمته ليضع جديده مكانه ! ..
من هنا لا طلة لليوم التالي في المدى القريب ولا ، ربما ، البعيد .. حتى الحسابات مهما كانت دقيقة فقد لا تتحقق .. في المعارك الكبرى والمفصلية تبدأ الحروب ضمن مفهوم وحيز وقد لا تنتهي كما بدأت ..
لهذا ستطول الحرب ، وستتطور وتتبدل وتتغير .. إيران الأمة أكثر عنادا مما يتصور الأميركي والإسرائيلي ، والخليج المستباح قد لا يملك الصبر الطويل ليدافع عن نفسه بطرقه المختلفة وسط حقده المتنامي رغم صمته .
الطفل الذي نهشه الخوف أثناء طفولته ، لن تزال آثاره بسهولة .. والكبير الذي عاش الحقد وشربه مع يومياته ، سيزيد قهره إن هو تعطلت ملكات ردود فعله .
ومع ذلك يظل الأمل بحثا عن اليوم التالي ، فقولوا لنا ما هي ملامحه .. ويبدو أن الوصول إليه سيكون على المزيد من الجثث ومشاهد الخراب والدمار والحطام النفسي ، فما نفعه عندها ؟!! .. مع أن اميركا وإسرائيل يرفضان الإستنزاف الرهيب الذي تخطط له طهران ، ولسوف تفرض البراغماتية والواقعية السياسية الجلوس على طاولة مفاوضات .