زهير ماجد يكتب: من بيروت إلى مسقط

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١١/فبراير/٢٠٢٦ ١١:٥٠ ص
زهير ماجد يكتب: من بيروت إلى مسقط

               تحملك الطائرة ، تطير بعواطفك المشتاقة إلى عُمان الجالسة في تاريخك ..

               من بيروت الخاصرة المحتدمة على البحر المتوسط ، إلى عُمان وليس ما يشبهها في هدوئها وثوابتها .

               بيروت التي لم تنهض من حروبها كأنما هي رحلة تعايش مع الخطر الدائم ، إلى مسقط الجالسة في قلب العالم بعدما علمته خيوط العيش المدروس وسط صخبه .

               كنت أعلم دائما وأنا اسافر بين العاصمتين العربيتين ، أن ثمة ما أحمله معي من بيروت إلى مسقط ، وأنا من خطت الأقدار أن أكون لبنانيا .. ففي تلك العاصمة العربية الواقفة على باب بحر العرب ومضيق هرمز، هنالك ما ينتظرني ، لكني أعرفه دائما ، وأعرف كل ملامحه ، فقد غزاني يوما بعراقته وسياسته وأسلوبه وسلاسة العيش فيه والإقتراب دوما من أناسه الذين نسجوا يومياتهم على قاعدة أن الدنيا مهما تبدلت هي بخير .

          في بلاد الخير العمانية ، عرفت دائما ، أني جئت من بيروت المحكومة بأسلوب حياة تتلاءم مع واقعها المضطرب ، إلى بلد عريق الإنتماء ، يعيش يومياته حسبما هي قواعد الحوار والدور السلس لتحقيق الصفاء العالمي ..

              كنت كلما تذكرت بيروت شعرت بثقل السياسة فيها : أزمات لا تنتهي ، طبقات من التاريخ والحرب ، وناس يعيشون رغم كل ذلك بابتسامة تخفي أكثر مما تُظهر .

              وكلما نظرت إلى مسقط ، رأيت كيف تدار الدول حين تتقدم الحكمة على الإنفعال ، وكيف يمكن للهدوء أن يكون سياسة وليس صدفة .

              دائما كنت أرى أن الإنتقال من بيروت إلى مسقط ليس اختلافا بين مدنيتنين فقط ، بل درس في كيف تصنع السياسات مستقبل الشعوب ، وكيف يمكن لبلد أن ينهض ، بينما يبقى آخر معلقا في انتظار توافق لا يأتي .

             علمتني مسقط أن الإستقرار ليس رفاهية ، بل حق من حقوق الإنسان .. واكتشفت أن بين بيروت ومسقط ليس مجرد رحلة سفر ، بل رحلة وعي :

             أن الوطن ليس دائما المكان الذي ولدت فيه ، بل المكان الذي يمنحك ما يستحقه الإنسان ، كرامة وأمانا وصونا لا يضيع وسط ضجيج السياسة ، وتلك هي عُمان .

             وأن القلب قد يتسع لمدينتين : بيروت تشعل الأسئلة ، ومسقط تطفيء الخوف .

             تكررت الرحلات بين العاصمتين العربيتين .. ظلت مسقط مرسومة في العين كلما عدت منها وقد تغير في نفسي أسلوب حياة جديد علي ، وثمة الكثير من الإضافات التي شكلت حسا مرهفا لدي : الأغنية العمانية ، والفولكلور المميز ، والموسيقى الحالمة النابعة من أرضها ، وتلك الجمل المنسابة في كلام العمانيين ، وسطوة مطرح ونزوى ونخل ومسفاة العبريين وهي تحتل اهتمامي كلما أخذني التذكار .

                أشتهي الكتابة في هذا الموضوع كأنما يكتبني لأني مشبع بحروفه . هل يصدق أحد أن نسيم مسقط يظل معي كانما عبأته في قلبي وحرصت عليه فلم يبارحني . أتابع شؤون عمان وأنا في بيروت باهتمام الواثق من حنينه إليها .

                ورغم اتساع قلبي لبيروت ومسقط ، تظل الثانية رحلتي اليومية لتخفف من قلق المدينة التي تعيش على هموم حرب قائمة وأخرى مدمرة قادمة .

 

زهير ماجد