
الشبيبة - العمانية
تقف مدينة مسقط التاريخيّة اليوم صرحًا ثقافيًّا متكاملا، ومزارًا سياحيًّا بارزًا يشكل المتحف الوطني قلبه ونقطة انطلاقه، وتلهم بيوتها القديمة بلونها الأبيض وسورها وقلاعها الشامخة زوارها باعتبارها محطة حضارية مضيئة أثرت تاريخ منطقة الخليج العربي وغرب المحيط الهندي منذ القدم، وهي تحافظ اليوم من خلال العديد من مشروعات الصون والتأهيل وإيجاد فضاءات اجتماعيّة وثقافيّة وترفيهيّة وتجارب ثقافيّة مختلفة على طابعها التاريخي وتعزز مكانتها باعتبارها مقصدًا بارزًا في المنطقة ومدينة نابضة بالتاريخ والأصالة.
وقال سعادةُ جمال بن حسن الموسوي الأمين عام للمتحف الوطني إن "المتحف يعمل على مشروع تأهيل مسقط التاريخية لتضحى متحفًا مفتوحًا متعدّد المقرّات والتّجارب سواء كمتحف وطني أو متاحف خاصة ومتاحف تخصّصية أو كقصور مثل بيت الجريزة او كبيوت تاريخيّة كبيت السّيد نادر وبيت السّيدة مزنة وبيت السّيدة عالية أو كفضاءات تربوية كالمدرسة السعيدية وكفضاءات حضرية ومتنفس للمجتمع المحلي كباغ السعيدية وباغ المدبغة".
ووضح سعادتُه في حديث لوكالة الأنباء العُمانية "نركز في مشروعات إعادة تأهيل مسقط التاريخية على إعادة البيوت التاريخية التي بعهدة المتحف إلى حالتها الأصلية وفق ما كانت عليه سابقا، قبل أن تطرأ عليها الإضافات الدخيلة باستعمال المواد الحديثة، وتركيزنا ينصب في ما يتعلق ببيت السّيد نادر وبيت السّيدة مزنة على إحياء المعرفة التي فقدناها بتصنيع المواد التقليدية سواء المعالجات الداخلية أو الخارجية أو الأرضيات أو الجدران أو الأسقف، وإعادة معالجة هذه البيوت بالمواد التقليدية التي استعملت في مسقط على مدى مئات من السنوات التي أثبتت جدواها.
وأضاف أن "الجانب الآخر المهم هو إعادة تشكيل الفضاءات الداخلية كأبعاد ومقاسات، مؤكدا على أن "التراث المعماري في مسقط لم يتطور بمعزل عن مؤثرات وتأثيرات خارجية بحكم التواصل الحضاري، وهوما يراعى في عملية إعادة التأهيل".
وأشار إلى أن "بيت أبو دينة بمدينة مسقط الذي كان ملكا خاصًّا وآل إلى المتحف الوطني، اندثر طابعه التاريخي بحكم إعادة بنائه، ويجري حاليًّا إعادة تأهيله كنموذج لما يمكن أن تكون عليه العمارة المسقطية في القرن الحادي والعشرين مع مراعاة احتياجاتنا المعاصرة وبما يتوافق ويتواءم مع الأسس المعمارية التقليدية في ذلك الوقت كأبعاد ومقاسات وكتل وفراغ وتوظيف الجانب الحرفي في أعمال التشطيبات وأعمال التجهيزات الداخلية".
وتطرق سعادةُ جمال بن حسن الموسوي إلى منظومة المتحف الوطني والأعمال الجارية لإعادة تأهيل مسقط التاريخية، وقال "إنها منظومة متعددة المقرات فإضافة إلى المقر الرئيس للمتحف الوطني الذي صمم خصيصا ليكون متحفا وطنيًّا، هناك عددا من المعالم العمرانية التي يشرف عليها المتحف الوطني ومن بين ذلك بيت الجريزة والذي سيستمر العمل في برنامج الحفظ والصون فيه الى نهاية هذا العام 2026، وسيتم افتتاح قاعاته ومرافقه بالتدريج خلال الفترة المتبقية من هذا العام ، إضافة الى ما تبقى من بيوت السّادة البوسعيديين التاريخيّة وعلى رأسها بيت السّيد نادر وبيت السّيدة مزنة اللذان يقابلان بيت السيدة غالية (بيت فرنسا) فهي في مرحلة متقدمة من الأعمال الكهربائية والميكانيكية وأعمال المنظومة الأمنية وأعمال منظومة التكييف فيها، ويتبع ذلك مرحلة التشطيبات الداخلية النهائية ومرحلة التجهيزات الداخلية".
ويعد بيت السّيد نادر أحد منازل أسرة البوسعيد في مسقط، ويرجح تاريخ بنائه إلى الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، ويستمد اسمه الحالي من اسم آخر من سكَنه من السّادة وهو السّيد نادر بن فيصل البوسعيدي شقيق السُّلطان تيمور بن فيصل البوسعيدي، وبعد وفاة السّيد نادر في عام 1971 ميلادي استخدم البيت لفترة وجيزة كمكاتب وزارية ثم أصبح متحفًا وبعد ذلك احتوى على مكاتب إدارية تابعة للمنشآت السُّلطانية ثم آلت ملكيته للمتحف الوطني، وهو مع بيت السّيدة مزنة من أواخر ما تبقى من البيوت التاريخية في مدينة مسقط، إضافة إلى بيت فرنسا المجاور لهما.
وأضاف سعادتُه أنه "في سياق مسقط الخارج هناك مشروع تأهيل بوابة مسقط لتضحى مركزا للزوار يوجه الزائر من خلاله ويتعرف عبره على التجارب الثقافية المختلفة المتاحة في محيط مسقط التاريخية، ومن المقرر إعادة تشغيل البوابة في نهاية هذا العام، إضافة إلى مشروع تطوير مبنى المدرسة السعيدية هذا الصرح الذي افتتح في عام 1940 ميلادية والذي يعد نموذجًا للتعليم النظامي في سلطنة عُمان، حيث يجري العمل على ترميم هذا المبنى لإعادته إلى حلته السابقة مع المحافظة على عناصره المعمارية والداخلية الأصلية قدر المستطاع، لتضطلع المدرسة السعيدية بدور تربوي كما كان ذلك في سابق عهدها على أن يكون التركيز في السنوات القادمة على رفع الذائقة الفنية والإبداعية والحسية لدى الأطفال، وستحتضن المدرسة السعيدية متحفا متخصّصا يوثق أثر هذه المدرسة في منظومة التعليم، وأبرز من تخرج منها مع تكريم مديريها ومدرسيها الذين تعاقبوا عليها وما خلفوه من أثر طيب في منظومة التعليم، إلا أن المدرسة ستتعدى الدور المتحفي ليقام أول مسرح تفاعلي للطفل، وفصول دراسية لتمكين الصغار في المواهب الفنية مثل الرسم، الموسيقى التقليدية، الشعر واللغة العربية، وسيستغرق العمل في المشروع الذي بدأ العمل فيه العام الماضي ما بين أربع إلى خمس سنوات".
ووضح سعادةُ الأمين العام للمتحف الوطني أن من بين المشروعات الإنمائية الجاري تنفيذها على أرض الواقع في مسقط الداخل ومسقط الخارج، "مشروع مجتمعي يسمى باغ السعيدية وهو الفضاء الملحق بالمدرسة السعيدية، ففي قلب مسقط الخارج ستكون هناك حديقة غناء بهدف إلهام المجتمع المحلي وخدمته بالمقام الأول وإتاحة الفرصة للسياح للتوقف للاستراحة والتأمل في المحيط الحضري الجاري وإعادة تأهيله بمسقط، فباغ السعيدية ستضحى حديقة أو مزرعة نموذجية على غرار ما عرفت به مسقط في السابق خاصة حلة الطويان من مزارع وحدائق غناء عرفت بمصطلح الباغ، يضاف إلى ذلك هناك مشروع باغ المدبغة في حلة المدبغة كفضاء اجتماعي وثقافي وترفيهي يخدم بالمقام الأول المجتمع المحلي"، وأضاف أن هناك مشروع إنشاء جناح الفنون التشكيلية العُمانية في الموج مسقط بالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب لتوثيق مسيرة رواد الفن التشكيلي العماني، ومشروع ما يصطلح عليه في التراث اللامادي بدأ تنفيذه العام الماضي وسيستمر حتى نهاية هذا العام ألا وهو توثيق أسماء الحلل والحارات بمسقط الداخل ومسقط الخارج لتضحى هذه الذاكرة حية في وجدان المجتمع المحلي ومشاركة هذه الذاكرة مع زوار مسقط سواء من المواطنين أو المقيمين".