
مسقط - سارة الكعبية- عائشة الريامية-عذراء المعشرية
غالبًا ما يرتبط لعب ألعاب الفيديو في مجتمعنا بالأداء الأكاديمي الضعيف، وهذه الفكرة القصصية تدعمها بعض الأبحاث، حيث وجدت دراسة أجريت عام 2000م وجود علاقة سلبية بين برنامج العمل العالمي والوقت الذي يقضيه الطالب في لعب ألعاب الفيديو. وتعد ألعاب الفيديو نشاطا شهيرًا للطلاب في جميع مستويات الدراسة، حيث إنها تعتبر جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية للطالب وهي نشاط ممتع سواء كان الشخص يلعب ألعابًا بمفرده أو في مجموعة.
وحسب دراسة شملت 482 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عامًا، وُجد أن الطلاب الذين لعبوا ألعاب فيديو يتمتعون بمهارات بصرية أقوى من الطلاب الآخرين، لكن الطلاب الذين قضوا وقتًا أطول في ألعاب الفيديو مقارنةً بالوقت الذي يقضونه على القراءة لديهم درجات أقل من الطلاب الآخرين، وبذلك تشير هذه الدراسة إلى أن الطلاب الذين يظهرون درجات محسنة في المهام الأكاديمية التي تتطلب مهارات بصرية قوية، إلا أن درجاتهم الإجمالية تشير إلى تدني مستوياتهم التعليمية.
الإحساس بالقوة
يوجد عدد من الأسباب التي تلعب دورا كبيرا في إدمان الألعاب الإلكترونية، حيث يشعر المصاب بحالة من النشوة والإحساس بالقوة أثناء وجوده في الفضاء الإلكتروني للألعاب، وهو الأمر الذي يفتقده في حياته وواقعه. وتنجح الألعاب الإلكترونية في القضاء على الفراغ المادي والشخصي، وربما يعاني من هذه الحالة الكثيرون، وبخاصة في فترات المراهقة، ويرغب البعض في الهروب من عالمه الواقعي، بما فيه من مشاكل ومتاعب إلى عالم الألعاب الذي يمتاز بالمرح، وإنجاز أشياء لا يمكن النجاح فيها في الواقع.
وفيما يتعلق بذلك ذكرت مديرة مدرسة أسماء بنت الصلت زهرة الجديدية بأن إحدى المعلمات أحضرت لها طالبا بعد أن لاحظت عليه الكثير من العزلة والانطوائية بحالة أقرب منها إلى التوحد، وفي محاولة لمعرفة ما إذا كان يعاني من أية مشاكل أسرية أو غيرها وجدت بأن الطالب ليس اجتماعيا في الواقع ويقضي أكثر وقته في اللعب الالكتروني حتى أصبح مدمنا لها بشكل هستيري، إضافة إلى ذلك كون علاقات اجتماعية مع عدد كبير من الأشخاص في العالم الافتراضي أثناء لعبه الكترونيا، فكان يقضي معظم فراغه معهم، ويهرب من واقعه باللعب والانشغال بهم، وهذا بدوره أثر على تركيزه أثناء الحصص الدراسية، إذ أنه أصبح متشوقا للعودة إلى المنزل حتى يجتمع بأصحابه الالكترونيين الذين تجمعهم لعبة الببجي.
وأضافت رحمة الحجرية، أخصائية نفسية بمدرسة مزون للتعليم الأساسي: «قضاء ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية، وألعاب الإنترنت دون مراقبة من الأسر، يزيد مخاطر الانطوائية والعدوانية والعزلة لدى الأطفال، ويتطور لأمراض نفسية، بحيث لا يكون من السهل عليهم تكوين علاقات اجتماعية، حيث تنمو لديهم شخصيات غير واقعية، أو افتراضية، تختلف عن شخصياتهم الحقيقية، والهرب من الواقع، مع إطلاق الرغبات الدفينة والتفريغ الانفعالي من كبت وعدوانية وغضب، بعيدا عن القيود الاجتماعية».
كما أشارت الحجرية إلى أن التأثيرات السلبية للانشغال بالأجهزة الإلكترونية، تشمل ضعف التحصيل الدراسي وانعكاساته على المستوى التعليمي، وعدم الاكتراث لمشاعر الآخرين، والعدوانية في السلوك اتجاه إخوانه وزملائه، فضلا عن ضعف الوازع الديني.
الاعلام
4.48 بليون شخص يستخدمون وسائل التواصل (بحسب إحصائيات يوليو/تموز 2021)، ويشكل عدد مستخدمي وسائل التواصل في سنة ٢٠٢١ نسبة 56.8% من سكان العالم. ويحتل اليوتيوب المرتبة الثانية في البرامج الأكثر استخداما في العالم وفق إحصائيات 18 يوليو/تموز 2021، حيث بلغ عدد مستخدميه الى 2.29 بليون مستخدم نشط شهريا. ومع هذا الانتشار المخيف لوسائل التواصل الاجتماعي طفت سطح مجتمعاتنا العربية ظواهر عديدة كان أبرزها ظاهرة التقليد التي باتت تنتشر كالنار في الهشيم في العديد من البيوت خاصة لدى الأجيال الصاعدة والمراهقين. فنجد الصغير والكبير بات يتابع المشاهير الذين يكون محتواهم عن الألعاب الالكترونية، بل أصبحوا يقلدوهم ويتأثروا بهم.
وفي ضوء ذلك، ريم البلوشية طالبة في الصف العاشر تقول: «أحب أتابع اليوتيوبر عبد الرحمن صاحب قناة دحومي 999، فهو لاعب ممتاز وأبدا بمتابعته بعد رجوعي من المدرسة حتى ما قبل النوم». وفيما بعد أوضحت ريم بأنها أهملت دروسها وتبين ذلك في درجاتها المتدنية.
وذكرت كريمة المعولية معلمة الرياضيات بمدرسة العليا للتعليم الأساسي:» لاحظت طالب في الصف الرابع يقوم بحركات ورقصات غريبة وتبين أنها تقليد لأحد الرقصات الموجودة في الألعاب الإلكترونية«.
تخلص من الإزعاج
نظرا لما يشهده عصرنا من ارتفاع متطلبات معيشة الإنسان في هذه الأيام، وحاجته لتلبية كافة متطلبات الحياة بشكل أمثل، وهذا يدفع الكثير من الآباء للعمل لساعات طويله من أجل تأمين متطلبات الحياة وتحسين دخلهم قدر المستطاع، وكما أن الخلافات الزوجية التي تنشأ بين الزوجين تسهم في خلق أجواء مفعمة بالمشاكل ورغبة الزوجين في خلق حالة من الهدوء والتخلص من إزعاج الأبناء.
وهذا ما نراه واضحا في قصة الطالب أحمد العويسي الذي يبلغ من العمر 7 سنوات حسبما أشارت إليها بثينة الكعبية، معلمة العلوم في مدرسة الآمال للتعليم الأساسي، إذ لاحظت تدني مستوى أحمد التعليمي بشكل كبير وبخاصة في الأعمال التحريرية لكن ما لفت انتباهها أنه كان يجيب على بعض أسئلة الذكاء التي تحتاج لتفكير عميق في بعض الأحيان على الرغم من تدني مستواه التحريري، وما حيرها التصرفات التي كان يقوم بها أحمد، فكان يحرك يده بصورة غير طبيعية ، وكان في كثير من الأحيان يقوم بتقطيع كتبه وتكسير أقلامه، فرأت أن هذا الأمر خارج عن المألوف، فقررت استدعاء والدة أحمد لمعرفة سبب تصرفه بهذه الطريقة، وعندما ناقشت معلمة العلوم والدة أحمد أخبرتها أنه يعاني من إدمان شديد على الألعاب الالكترونية، وبسبب شقاوة وإزعاج أحمد وكثرة حركته أرادت أم أحمد أن تشتري راحة بالها مقابل منح أحمد الحرية في لعب الألعاب الإلكترونية، حتى تحول أحمد لمدمن لهذه الألعاب، وحينما حاولت إيقاف هذا الإدمان عن طريق منعه من اللعب جعل ذلك من أحمد يتصرف بتلك التصرفات الغربية التي خلقت له نوع من عدم التركيز على الأشياء وتشتته، وهذا ما أسهم في تدني مستواه التعليمي، وأدركت أم أحمد الخطأ الذي ارتكبته في حق ابنها أحمد، ومازالت تعض أصابع الندم.
توتر وسعادة
يرصد الآباء والمحيطون بمدمني الألعاب الإلكترونية، عددا من الأعراض التي تتشابه مع أعراض الإدمان، حيث يتمسك الطفل بالجهاز الذي يستخدمه، وهو يرفض من أجل ذلك الطعام والخروج من المنزل وينتابه التوتر إذا خرج من المنزل أو سافر لمكان لا تتوافر فيه شبكة إنترنت، ويشعر بالسعادة عندما ينجح في حل الألغاز أو المناورة والانتقال إلى المستوى الأعلى. وتظهر على الطفل المصاب بهذه الحالة، أعراض القلق والتوتر والانفعال، ويظهر عليه أيضا الاكتئاب في المراحل المتقدمة، ولذلك يكون لديه رغبة في أن يقضي وقتا أطول في ممارسة اللعبة التي يلعبها.
وتذكر معلمة اللغة العربية بمدرسة الإبداع العالمية أسمهان المقبالية بأن اشتكت إليها إحدى الأمهات عن ابنها الأصغر الذي يعاني من هذه المشكلة، إذ أنهم لا يستطيعون الخروج من المنزل إلا وقد اشترط عليهم بعمل الاشتراك في الهاتف حتى يستطيع الحصول على الانترنت أثناء تواجده خارج المنزل، وحين يمتنعوا عن ذلك فإنه يقوم بالصراخ الشديد والمؤذي لهم جميعا، وفي نهاية المطاف ينصاعوا له ويلبوا ما يرغب به حتى يتمكنوا هم الآخرين من الاستمتاع، وفي ذات الوقت يريدون التخلص من هذه المشكلة إلا أن الأمر قد صعب عليهم بعد محاولاتهم العديدة.
وحتى تتخلص الأسرة من هذه العادة منعت طفلها تدريجيا وليس دفعة واحدة، حيث اتفقت مع المعلمات على تكثيف الأنشطة والأعمال المنزلية التي لا تسمح بأن يكون هناك فراغا كبيرا وبالتالي يقلل الابن من اللعب الالكتروني تدريجيا، إلى أن يتخلص منه وقد بدأ الابن يستجيب لهم بتعاملهم اللطيف ودون ضغط منهم.
تلف دماغي
أظهرت دراسة طبية حديثة أن أكثر من 65% من مدمني الألعاب الإلكترونية يعانون أعراضا تشبه الإصابة بالتلف الدماغي، وبالذات فيما يتعلق بالسلوك. وأشارت تقارير سابقة إلى أن سدس مستخدمي شبكة الإنترنت تظهر عليهم أعراض إدمان الألعاب الإلكترونية، ومن أبرز هذه الأعراض تحكم الألعاب في سلوك المدمنين، وكذلك ضعف قدرتهم على ضبط النفس.
وأفادت الحجرية : «أخطر ما في الأمر هو مستوى التفاعلات الهرمونية التي تحدث داخل الجسم عمومًا والدماغ خصوصًا حين يصل إلى هذا المستوى العالي من الذبذبات، حيث يتم إفراز هرمونات متناقضة في وظائفها كالسيروتينين أو الدوبامين والأدرينالين والكورتزول، مما يعطي شعورًا بالمتعة والنشوة والانسجام التام مع اللعبة أو الموسيقى، وكذا الشعور بالتوتر والتعصب، وهذا ما يفسر اختلاط الضحك والقفز ومظاهر الفرح مع الصراخ والتذمر ومظاهر الغضب في آن واحد، وقد تم اكتشاف أن هذا الوضع المتناقض يؤدي إلى تدمير ثلاث قدرات مهمة في العقل وهي الانتباه والتركيز والتذكر والذي بدوره يسهم في تدني المستوى الدراسي للطلبة.